الجمعة، 12 ديسمبر 2014

التعلم البنائي

التعلم البنائي ودورة التعلم

د. مصطفى حسن مصطفى/ العبيكان للتعليم


 مقدمة

يحظى تدريس الرياضيات والعلوم بمكانة خاصة في الأنظمة التربوية، إذ لا يخلو أي نظام تربوي من إعطائهما المكانة التي تستحق نظراً لدورهما الهام في تقدم الأمم ورقي الشعوب، فبواسطتهما يكتسب المعلم والمتعلم مجمل خبراتهما، وعن طريقهما يحدث النمو والتقدم، وبفضلهما يواجها أخطار البيئة، ويسخراها ويصبح كل منهما منتجاً للمعرفة وتطبيقاتها، ولهذا تمثل عملية تدريس الرياضيات والعلوم جانباً هاماً من حياة كل فرد وكل مجتمع، وتشكل عاملاً هاماً في تقدم المجتمعات علمياً وتكنولوجياً.
وعلى الرغم من ان اهداف تدريس الرياضيات والعلوم على المستويين الوطني والعالمي تؤكد على تزويد الافراد بمهارات التفكير التي تؤهلهم للتعامل مع عالم سريع التغير، الا انه يلاحظ اعطاء اهمية خاصة للمعلومات واساليب تنفيذها في غرفة الصف دون الالتفات الى تدريب الطلاب على مهارات التفكير للاستمرار في عملية التعلم الى ما بعد تخرجهم من المدرسة وبالتالي تعليمهم كيف يتعلمون (مصطفى، 2004). وتؤكد أهداف مشاريع تطوير مناهج الرياضيات والعلوم في معظم الدول على تشجيع الطلاب على طرح التساؤلات لفهم الظواهر الطبيعية المحيطة بهم وتفسيرها، وتزويدهم بالمعارف والمهارات والاتجاهات الايجابية للمشاركة الفاعلة والعيش الكريم في القرن الحادي والعشرين، وعليه فان مناهج الرياضيات والعلوم ينبغي ان تعنى بتنمية مهارات الاستقصاء والتفكير الناقد مع الاخذ بعين الاعتبار القضايا الاخلاقية المرتبطة بالبيئة والمجتمع الانساني.
وفي ظل هذه النظرة الى مناهج الرياضيات والعلوم، ينبغي الا يكون تدريسهما مجرد تنظيم لاستراتيجيات التدريس وتنويعها وتدريب المعلمين على هذه الاستراتيجيات عن طريق تعريفهم بها، بل ينبغي ان يتعدى ذلك الى توفير الدعم لهم في مدارسهم ومتابعتهم للتاكد من انتقال اثر التدريب الى داخل الغرف الصفية. وهنا ينبغي التاكيد على ضرورة ان يتحلى المعلمون بالصبر اثناء تعاملهم مع طلبتهم وهم يقومون بالنشاطات بانفسهم، والاخذ بعين الاعتبار المعارف والخبرات السابقة التي يحملونها الى داخل الغرف الصفية، وتشجيعهم على مناقشة افكارهم ومفاهيمهم مع اقرانهم ومع معلميهم. وان يقبل المعلمون دورهم الجديد في ظل هذه المناهج بحيث يتحولون من دور الناقل للمعرفة الى دور الميسر والمرشد والمقيّم الذي يعطي الطلاب دوراً رئيساً في عملية التعلم وتحمل المسؤولية وانتاج المعرفة بانفسهم.
وكان لنظريات التعلم المعرفية تاثيرها في توجيه السياسات والبحوث التربوية المتعلقة بتعليم الطلاب ودورهم في عملية التعلم (Stoddart, Connell, Stofflet & Peck, 1993)، اذ تؤكد هذه النظريات الدور الفعال للطالب في بناء معرفته ومعانيه وافكاره الخاصة من خلال الخبرة والممارسة. ولهذا يعتقد سولومون (Solomon, 1997) ان الطريقة التي يعلم بها المعلمون المحتوى على درجة من الاهمية تساوي اهمية المحتوى نفسه. وحيث ان المنحى النقلي في التعليم اثبت عدم فاعليته ظهرت دعوات الى التحول من التركيز على التعليم الميكانيكي الى التعليم من اجل الفهم (Driver & Oldham, 1986). ورافق ذلك في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين دعوات الى اجراء مزيد من البحوث التي تخدم فكرة ان التعلم ما هو الا بناء للمعرفة (Mayer, 1996).
تعد النظرية البنائية للتعلم واحدة من النظريات الهامة في علم النفس التربوي التي تستند على فكرة ان جميع الخبرات والافكار التي يحملها المتعلم تلعب دوراً هاماً في استجابته للمعرفة الجديدة وبناء المعاني منها بفاعلية ونشاط (Osborne & Wittrock, 1985). وعند الاجابة عن السؤال فيما اذا كانت البنائية نظريـة في المعرفـة او طريقـة في التدريس، قال فون جليسرزفيلد  (VonGlaserfeld, 1992): ان البنائية تقود الى اسئلة المعرفة أي ما هي المعرفة ؟ ومن اين تاتي؟ ولكن بعد عامين من ذلك قال: ان وجهـة النظر البنائية ما هي الا محاولة لتفسير طريقة التفكير وليس جمع الادلة حول الحقائق المستقلة  (Von Glaserfeld, 1995)، وقد فضل ان يطلق عليها نظرية في التعرف "knowing Theory of"، وتجنب استخدام مصطلح نظرية في المعرفة " Theory of knowledge ". فالحقيقة ليست الشيء الذي ندركه، بل هي تصوراتنا لهذا الشيء. وتصبح هذه التصورات الذهنية هي اساس نظرة الشخص الى العالم من حولـه وتصرفاتـه ازاء هـذا العالم (الخليلي وآخرون، 1996).
تنظر البنائية الى عملية التعلم، كعملية ديناميكية اجتماعية يقوم المتعلمون من خلالها بعمليات البناء النشط للمعاني والافكار اعتماداً على خبراتهم، وربطها بمفاهيمهم السابقة، وتتضمن كذلك عمليات تفاعل نشطة بين المعلمين والمتعلمين، اذ يحاول المتعلمون هنا اعطاء معانيهم الخاصة التي تتواءم مع خبراتهم ومعارفهم المسبقة، أي يدخلون الغرف الصفية بمعرفة مسبقة تم بناؤها منذ عدة سنوات. وتعد المعرفة المبنية لدى الطلاب محاولة لتنظيم الخبرات والملاحظات بحيث تكون ذات معنى بالنسبة لهم، وتجعلهم قادرين على استخدامها في عمل التفسيرات والتنبؤات (مصطفى، 2004).

التعليم البنائي للرياضيات والعلوم

 من اكثر التطورات المثيرة على مناهج الرياضيات والعلوم المبنية على تطوير مهارات التفكير منذ عقد الثمانينات من القرن العشرين وحتى الان هو توظيف وجهـة النظر البنائيـة في التعلم. اذ اكـد توبن (Tobin, 1993) ان البنائية اكتسبت شعبية عظيمة في السنوات الاخيرة بصفتها تشكل منظومة جديدة في تعليم الرياضيات والعلوم. وتشير مناهج الرياضيات والعلوم المطورة الى ضرورة توظيف استراتيجيات التدريس والتقويم المبنية على وجهة النظر البنائية التي تؤكد على:  
-       التعرف على وجهات نظر الطلاب وافكارهم.
-       اتاحة الفرص لهم لاستكشاف افكارهم واختبارها، واستخدامها في تفسير الظواهر، وعمل التنبؤات.
-       تزويدهم ببيئة تعلم تساعدهم على تطوير او تعديل او تغيير افكارهم ووجهات نظرهم ان لزم الامر.
-       تشجيع ودعم محاولاتهم على اعادة التفكير واعادة بناء افكارهم ومفاهيمهم.
تعد طرق التعلم المبنية على الافكار البنائية من الطرق المفيدة في مساعدة الطلاب على التعلم. والممارسات الآتية مشتقة من النظريات المعرفية التي يمكن ان تساعد على الفهم، واستدعاء المعرفة، وتطبيق المعلومات، والمفاهيم، والمهارات اللازمة في المواقف المختلفة. وهي تفعل تدريس الرياضيات والعلوم، وتنشط المعرفة المسبقة لدى الطلاب، وتساعدهم على التوسع في المعلومات وتنظيمها، وتشجعهم على التساؤل. وهذه الممارسات هي (مصطفى، 2004):
المنظمات المتقدمة: وهي عبارات عامة تعطى قبل البدء بعملية التدريس، وتهدف الى ربط المعلومات الجديدة بالمعرفة الموجودة لدى الطلاب، وذلك لمساعدتهم على تنشيط البنية المعرفية لديهم وتشجيعهم على المواءمة بين المعلومات الجديدة والموجودة لديهم اصلاً.
اجراء المقارنات: وتهدف هذه الممارسة الى الكشف عن اوجه التشابه والاختلاف بين المعلومات، وذلك لمساعدة الطلاب على تعلم معلومات جديدة وربطها بالبنية المعرفية لديهم.
التوسع: وتهدف هذه الممارسة الى التوسع في استخدام مواد وطرق جديدة لتطبيق المعلومات في مواقف اخرى، وتشجع هذه الممارسة الطلاب على التفكير بالمعلومات بطريقة تجعل عملية الربط بين الجديد والقديم من المعلومات عملية سهلة وذات معنى.
 وحتى تتم عملية التعلم بشكلها الصحيح لا بد من التعرف على ما لدى الطالب من معارف وخبرات. وللوصول الى ذلك ينبغي ان يكون لـدى المعلمين فكـرة واضحة عما يعرفـه ويفهمه الطلاب ليتمكنوا من اشغالهم في النشـاطات التي تساعدهم على بنـاء معاني جديدة (VonGlaserfeld, 1992). ان اتاحة الفرص للطلاب للتعبير عن افكارهم حول مفاهيم محددة يعد من الامور الهامة في عملية التعلم، والمعلم البنائي في هذا الجانب يساعد طلبته على التعلم ذي المعنى، وبذلك فهو يتيح الفرص لطلابه ويشجعهم على الاكتشاف والابداع والابتكار واقتراح الحلول والتفسيرات.
يتم بناء المعرفة الجديدة بسهولة عندما يتمكن المتعلم من ربط المحتوى الجديد مع بنيته المعرفية الموجودة مسبقاً، ويحدث هذا عندما تكون البنية المعرفية الموجودة صحيحة. على أي حال فان المعرفة السابقة الخطأ أو " المفاهيم البديلة " أثبتت أنها تؤدي إلى تعطيل تعلم مفاهيم علمية أساسية. وعند محاولة تقييم المعرفة السابقة لدى الطلاب، يمكن للمعلم أن يجدها معرفة ضبابية (غير واضحة)، أو مفقودة (غير موجودة أصلاً)، أو صحيحة، أو خطأ. فإذا كانت المعرفة السابقة غير واضحة يجب توضيحها وإذا كانت غير موجودة أصلاً يجب تزويدهم بها، وإذا كانت خطأ يجب تغييرها، وأخيراً إذا كانت صحيحة يجب استخدامها كأساس لبناء معرفة جديدة. ويمكن للطلبة تعلم معلومات جديدة بسهولة اكثر عندما تتفعّل البنية المعرفية لديهم وترتبط بمعرفة جديدة. ويسمح للمفاهيم الجديدة أن تحل محل المفاهيم الخطأ لديهم فقط عندما تكون اكثر صحةً واكثر قوةً واكثر نفعاً، أو بطريقة ما يفضلونها على مفاهيمهم الموجودة لديهم.
ويؤكد المربون ومنظرو التعليم على أن التعلم لا يمكن أن يحدث بوساطة الاتصال اللفظي فقط، أي أن الطلاب لا يدخلون غرفة الصف بأدمغة فارغة، وما على المعلم إلا أن يقوم بملء هذه الأدمغة بالمعرفة. ويقترح هؤلاء المربون أن التعليم والتعلم يجب أن يعتمد على المنحى البنائي للمعرفة، إذ إنه يعطي الطلاب الفرصة لبناء معاني خاصة للمفاهيم العلمية كما يتعلمونها داخل غرفة الصف (Lorbach & Tobin, 1993). بمعنى آخر ينبغي أن يترك الطلاب ليكتشفوا مفهوما" جديدا" تحت إشراف معلمهم. وهذا النوع من التعلم المثالي يمكن أن يتم بصورة افضل عندما ينشغل الطلاب بطريقة التعلم بالاكتشاف، وذلك باستخدام أيديهم بالنشاطات المصاحبة للحوار وتبادل الأفكار مع المعلم والأقران في غرفة الصف حول المفهوم موضوع الدرس. وبهذا يصبح التعلم مفيداً وذي معنى عند فهمهم لما يتعلمون، مع ملاحظة أن النشاطات التي تعمل على زيادة التعلم ذي المعنى يجب أن ترتكز على عمليات الاستقصاء، والقياس، وجمع البيانات، والاستنتاج، واستخلاص النتائج، وتدوين الاكتشافات والملاحظات.
يتضح من ذلك ان النظرية البنائية تركز على أن التعلم عملية تفاعل نشطة يستخدم فيها الطالب أفكاره السابقة لإدراك معاني التجارب، والخبرات الجديدة التي يتعرض لها، ويكون دور المعلم ميسّراً وليس ناقلاً للمعرفة، ويكون للطلبة الدور الفعال في عملية التعلم، وتبنى المعرفة من قبل الطلاب، ولا توجد مستقلة عنهم، فالطالب هنا معالج فعال للمعلومات يقبل على التعلم وهو يحمل آراءه الخاصة حول الظواهر الطبيعية. أما في نظريات التعلم الأخرى، فالتعلم يعد عملية تراكم للمعرفة دون وجود ترابط أو تناسق بين أجزاء هذه المعرفة، وتكون مهمة المعلم نقل المعرفة إلى الطلاب، فالمعلم هو الذي يكون فعّالاً في هذه الحالة، والطالب هنا غير فعّال إذ يكتفي بقبول المعرفة التي يقدمها المعلم.

مبادئ التفكير البنائي

المبدأ الأول: البناء الفعّال للمعنى (The Active Construction of Meaning): من الأمـور الجوهرية في البنائية أن المعنى يبنى بطريقة فعـّالة من المتعلمين أنفسهم إذ يقوم جميع الأفراد بتنظيم خبراتهم في أبنية معرفيـة تدعـى مخططات عقلية (سكيماتا schemata) تتكيف وتتغير مع التطور العقلي للفرد. الخبرات أو المفاهيم التي يتعامل معها الفرد لأول مرة تعالج بواحدة من طريقتين: التمثل، وهي إدخال الفكرة الجديدة في المخطط العقلي الموجود لدى الفرد، أو استيعابها في مخطط عقلي جديد. هذا التنظيم، وإعادة التنظيم يأخذ مكانه في العقل البشري، وبذلك يعتمد التعلم والتطور كل على بعضه الآخر، ونتيجة ذلك خلق أبنية معرفية أكثر تعقيداً بمرور الزمن.
وفيما يتعلق بعملية التوازن فإن البنائية تشير إلى أن الأفراد الذين يكونون على وعي بأمر ما، يظهرون اهتماماً خاصاً عندما تتعارض توقعاتهم مع خبراتهم السابقة. ويؤدي هذا التناقض المعرفي إلى حالة عدم توازن، وهو الأمر الذي يشير إلى أن شيئاً ما ليس على ما يرام، وأن هذا الشيء لا بد له من معالجة. وهذا الشعور لدى الأفراد يدفعهم إلى التمثل أو الاستيعاب بهدف العودة إلى حالة التوازن العقلي. وللعودة إلى هذه الحالة ينبغي عليهم العمل على البيئة، عن طريق تصنيف الأشياء، أو التفاعل مع الآخرين، أو التفكير مع أنفسهم حول كيفية التعامل مع هذه المعلومات الجديدة. لذلك فالأفراد هم أنفسهم مسؤولون عن إظهار حالة عدم التوازن، ومسؤولون عن إزالتها للعودة إلى حالة التوازن المعرفي لديهم. أما التفكير السلوكي فعلى العكس من ذلك فهو يتعامل مع العقل الإنساني كصندوق مقفل تؤثر فيه البيئة عن طريق المثيرات التي تسبب الاستجابات، والتعزيز الذي يؤدي إلى تكرار هذه الاستجابات. ويشير البنائيـون إلى مفهوم التوازن، على أنه آلية يطلقون عليها " ميكانيكيـة التصحيح الذاتي "self – righting mechanism (Crowther , 1997)، وهي الفكرة التي تعني أن الأفراد يبذلون جهداً يؤدي إلى تكيفهم مع ما يحيط بهم.
المبدأ الثاـي: التأثيرات الاجتماعية على البنائية (Social Influences on Constructivism): ويشير هذا المبدأ إلى أن التعلم يتم في مواقف اجتماعية حقيقية ضمن سياقات ذات معنى (Yager, 1991). وهي بذلك تؤكد دور الآخرين في عملية التعلم. فالأفراد يتعلمون بمعدلات مختلفة بسبب خواصهم الوراثية التي ولدوا بها (عوامل شخصية)، أو بسبب عوامل خارجيـة تؤثر عليهم، مثل البيئة بمـا فيها الأفراد الآخرون. ويتضمن هذا المبدأ أن المفاهيم او المهارات التي يجد الأفراد صعوبة في اكتشافها إلا في مراحل متقدمة من العمر، يمكن تعلمها من أفراد آخرين تمكنوا من تطويرها.
وتعد اللغة واحدة من الوسائل الهامة التي طورها الإنسان لتسهيل عملية التعلم والتطور (Vygotsky, 1978)، إذ إنها أداة تركيبية بسبب خواصها في تشكيل الكلمات، والجمل، والفقرات. وينبغي على المتعلمين استخدامها لتنظيم تفكيرهم بطريقة قابلة للتوصيل إلى الآخرين وهي في الغالب أداة تؤدي إلى اكتساب المعرفة. على أي حال تعد اللغة واحدة من أدوات عدة للتواصل فهناك التخيل والمعتقدات والرياضيات والفنون، …. هذه الرموز والأدوات ينبغي تطويرها وتعليمها بالتفاعل المستمر بين أفراد المجتمع.
أما عند السلوكيين فتعد الطبيعة الفيزيائية لميكانيكية المثير ـ الاستجابة مسؤولة عن عملية التعلم، وبهذا يمكن للفرد أن يتعلم دون جهود الآخرين، وبالتأكيد دون استخدام الرموز، إذ إن البيئة وحدها هي المؤثرة على الفرد بغض النظر عن وجود الآخرين وتفاعلهم أو مشاركتهم الذاتية معه. وتؤكد البنائية أن التفكير البنائي يتشكل لدى الفرد عندما يتمكن من بناء المعاني الخاصة به نتيجة التفاعل بين المعرفة والمعتقدات الموجودة لديه والأفكار والمواقف الجديدة التي يواجهها، وهي الآلية التي تتوافر بفعالية في المواقف الاجتماعية المختلفة (Ismat , 1991).
المبدأ الثالث: أهمية الأعمال الموجّهة ذاتياً (Importance of Self - Regulatory Practices): ويشير هـذا المبدأ إلى أن التعلـم والتطور يكون نتيجـة للأعمـال الموجهة ذاتيـاً مـن الفـرد (Vygotsky, 1978)، وهذا يعني أن الأفراد يمتلكون القدرات التي تمكنهم من ضبط تفكيرهم، ومشاعرهم، ودوافعهم، وأعمالهم. والنفس البشرية بهذا المعنى تؤثر في سلوك الأفراد واختياراتهم وأهدافهم في الحياة. وعلى العكس من ذلك تشير وجهة النظر السلوكية إلى أن المتعلم قابل للتشكيل بوساطة الأمثلة، أو الممارسة والتكرار، اضافة الى التعزيز، وأن ما يتعلمه الفرد في النهاية ما هو إلا نتيجة لتحكم البيئة المحيطة به، وفي هذا المجال يقول عالم النفس المعروف جون واطسون John Watson: أنه يستطيع أن يعد فرداً لأنّ يكون محامياً أو طبيباً أو مهندساً أو حتى لصاً عن طريق التحكم ببيئة الفرد التي يحيا فيها.
والبنائية بدورها تنكر مثل هذا التأثير على الأفراد، وبخاصة عند وقوعهم في حالة التناقض المعرفي، والفرد هو نفسه القادر على إعادة حالة التوازن بعد تفحصه لجميع المعلومات والخبرات الجديدة التي سببت حالة عدم التوازن هذه، وهو وحده القادر على أن يقرر إذا كانت المعلومات المتوافرة كافية لإعادة حالة التوازن المعرفي، أو أنه يلزم البحث عن معلومات أو خبرات جديدة. ولتوضيح هذا المبدأ يمكن الإشارة إلى رأي فيجوتسكي الذي يقول أن الفرد عند تعامله، أو تفاعله مع الآخرين، يستطيع أن يميّز أن فهمه لمفهوم معين غير كافٍ، إذ يقوم هذا الفرد بالبحث عن أفراد آخرين أكثر معرفة وفهماً لهذا المفهوم لتزويده بالمعلومات التي تجعل فهمه أكثر اكتمالاً، وتعزز حالة التوازن المعرفي لديه.
المبدأ الرابع: دور العمليات العقلية (The Role of Mental Operations): ويشير هذا المبدأ إلى قدرة الأفراد على حل مشكلات معقدة، وذلك بتحديد المهارات والمعلومات الملائمة للحل، ومساعدتهم على اكتشاف الحاجـة إلى مزيـد من التعلم حـول هـذه المشكلات. ويتضمن مفهوم بياجيــه للعمليات المجـردة تركيزاً على بناء الفرضيات، والتفكير العلمي، إلى جانب الفهم العميق للسببية (Mestre, 1994). وهذا يعني أن الأفـراد الذين وصلوا لهذه المرحلة يمتلكون القدرة على استخدام المنطق في حل مشكلة ما مستقلة في محتواها. وهذه العمليات تزيد من دافعية الأفراد لتحقيق أهدافهم المستقبلية. وخلاصة القول أن الأفراد يكونون قادرين على بناء المعرفة الجديدة اعتماداً على معلومات متوافرة لديهم.
المبدأ الخامس: البنائية، الحقيقة والخبرة (Constructivism, Truth, and Experience): ويهتم هذا المبدأ بفكرة أن المعرفة لدى الفرد تساعده في تنظيم عالم الخبرات الخارجية لديه، وليس بالضرورة أن يتفق هـذا العالم مـع ما هو موجود بالواقع، إذ يمثل الواقع ترجمـة الفـرد لـه، لذا فالحقيقـة هي تعبيـر عـن مـدى قبولها لفترة طويلـة، وليست تعبيراً عـن مدى صحتها (Crowther, 1997).
وربما تكون أفضل طريقة لوضع النظرية البنائية للتعلم في المكان الذي تستحق، مقارنتها بالنظرية السلوكية للتعلم، إذ انه لتعليم مهارة أو عمل ما بحسب النظرية السلوكية ينبغي تفكيكها إلى مكوناتها أو أجزائها، ثم تعليم الفرد كل جزء على حدة، ثم ربط هذه المكونات بعضها إلى بعض حتى يظهر السلوك المرغوب لدى الفرد. ويلاحظ هنا أن المنحى السلوكي للتعلم يفتقر أمرين هامين: أولهما الاهتمام بالآلية المعرفية المستخدمة من الفرد لتعلم عملية معقدة. وقد يكون هذا من الاعتبارات الهامة لمعرفة كيف يحدث التعلم، إذ انه يفيد في التعرف على أفضل السبل لجعل عملية التعلم أكثر كفاية. وفي الواقع تشير البحوث المعرفية الحديثة إلى انه لا يمكن تعليم عملية معقدة عن طريق تفكيكها إلى أجزاء دون فهم السياق الذي يشكل هذه العملية، ودون فهم آلية التفاعل والترابط بين مكوناتها. والأمر الثاني الذي يفتقر إليه المنحى السلوكي هو الاهتمام فيما إذا كانت عملية التعلم تعني شيئاً ذا معنى للمتعلم أم لا. ويبدو هذا الأمر هاماً، وبخاصة إذا كانت المعرفة الجديدة تتعارض مع المعرفة الموجودة لديه، إذ انه في هذه الحالة لن يستطيع استيعاب هذه المعرفة في ذاكرته، وذلك لعدم وجود معنى لها، أو انه سيقوم ببناء مخطط معرفي جديـد يتعارض مع ما لديـه مـن معرفة حـول العملية أو المـهارة التي تم تعلمها.

نموذج دورة التعلم Learning Cycle

قام عدد من الباحثين وفلاسفة التربية بتطوير مجموعة من نماذج التدريس المبنية على الأفكار الواردة في النظرية البنائية، وقد تميزت هذه النماذج بوجود مجموعة من الخطوات ينبغي على المعلم البنائي أن يلتزم بها، وقد اتخذت هذه النماذج شكل الدورة، لهذا أطلق عليها اسم دورة التعلم، وعلى الرغم من ظهور عدة صور لها (3Es, 4Es, 5Es,... 7Es )، إلا أن الفكرة الأساسية تتمحور حول: أن الطلاب لديهم خبراتهم الخاصة بتعلم مفهوم أو موضوع معين، وهذه الخبرات أو المعارف ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تعليمهم معرفة جديدة. ويتناول هذا النموذج اقتراحاً لطريقة تدريس تتكون من خمس خطوات مبنية على الأفكار البنائية الواردة في نماذج دورة التعلم، والأفكار الواردة في البنائية الاجتماعية التي تؤكد أهمية التفاعل بين الأفراد في الحصول على المعرفة بحيث تصبح هذه الطريقة قابلةً للتطبيق في المدرسة كل وفق إمكاناتها ومواردها، وينبغي أن لا ينظر لخطوات هذه الطريقـــة على أنها تمثل علاقة خطية، بل يمكن التعامل معها على أنها تمثل علاقات تفاعليــــة بحيث يمكن من خلالها الرجوع من خطوة إلى أخرى. وفيما يلي توضيح لخطــوات هذه الطريقـــــة (مصطفى، 2004):
الخطوة الأولى: التهيئة للدرس
في هذه الخطوة يتم إثارة الانتباه والاهتمام بموضوع الدرس، وطرح الأسئلة، ثم تلقي الاستجابات من الطلاب، والتي تمثل مؤشراً جيداً عما يعرفه الطلاب مسبقاً. وتمثل هذه الخطوة فرصة جيدة للمعلم لمعرفة المفاهيم البديلة أو الخطأ التي يحملها الطلاب حول موضوع الدرس. ويقوم الطلاب هنا بطرح أسئلة على أنفسهم مثل: لماذا يحدث ذلك؟ وكيف لي أن أجد الحل لهذه المشكلة؟.... ومن النشاطات المفيدة في هذه الخطوة والتي تساعد في جعل الطلاب ينخرطون في موضوع الدرس، الظواه المتناقضة أو الأحداث المحيّرة.... وسواءً بدأ المعلم درسه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فان انخراط الطلاب بموضوع الدرس يعتمد على درجة تعقيد المفهوم أو الموضوع الذي سيتم تعليمه، وعلى الخلفية المعرفية للتلاميذ. وأحياناً قد يستخدم المعلم خبرته العملية في إثارة الاهتمام والانتباه، وحث الطلاب على طرح أسئلتهم ليطوّروا مفاهيمهم الخاصة اعتماداً على معرفتهم المسبقة في ضوء ما شاهدوه أو سمعوه. وبغض النظر عن الاتجاه الذي يأخذه المعلم في هذه الخطوة، ينبغي عليه أن يركز على انشغال طلابه، وإثارة دافعيتهم، وحب استطلاعهم في إيجاد إجابات للتساؤلات الغامضة في أذهانهم.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: الكشف عن المعرفة المسبقة لدى طلابه، إذ يقوم المعلم بطرح الأسئلة، وتقديم موضوع الدرس، وإثارة حب الاستطلاع والدافعية، وتشجيع طلبته على طرح الأسئلة.
دور الطالب: يبدي الطالب اهتمامه بموضوع الدرس، ويطرح الأسئلة، ويناقش معلمه وأقرانه في المجموعة.
الخطوة الثانية: الاستكشاف
يعطى الطلاب في هذه المرحلة فرصة العمل معاً دون توجيه مباشر من المعلم، إذ يقوم بدور الميّسر الذي يساعد الطلاب على طرح أسئلتهم. ويعد هذا الوقت في ضوء نظرية بياجية وقت عدم التوازن المعرفي لدى الطلاب نتيجة تعرضهم لمواقف متناقضة أو محيّرة. وتمثل هذه المرحلة فرصة لهم حتى يختبروا تنبؤاتهم وفرضياتهم، ويناقشوا البدائل المطروحة للحل مع أقرانهم، ويسجلوا ملاحظاتهم وأفكارهم.
وتعد هذه المرحلة خطوة أساسية تمثل النشاط الرئيسي في الدرس، إذ يقوم الطلاب بالعمل مع بعضهم بعضا لاستكشاف الأفكار من خلال الحوار والنشاطات العملية. ويؤدي المعلم هنا دور الميّسر، والملاحظ، والمستمع الذي يتابع طريقة تفاعل الطلاب مع بعضهم. ويقوم أيضاً بطرح أسئلة سابرة تهدف إلى توضيح فهم الطلاب للأفكار والمفاهيم الأساسية. ويقوم عند الضرورة بطرح أسئلة تهدف إلى توجيه العمل في الاتجاه الصحيح. وينبغي أن يأخذ المعلم هنا قضية إدارة الوقت بعين الاعتبار عند التخطيط لهذه المرحلة.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يعمل ميسراً، ويلاحظ طلبته ويستمع إليهم أثناء تفاعلهم في المجموعة، ويطرح أسئلة توجه التفكير نحو أهداف الدرس، ويتيح الوقت للتفكير والتأمل، ويشجع طلبته على التعلم التعاوني.
دور الطالب: يجري النشاطات المطلوبة، ويضع فرضيات، ويستمع إلى أقرانه ومعلمه جيداً، ويشـارك في الأفكار، ويسجل الملاحظات، ويناقش البدائل المطروحة مع أقرانه.
الخطوة الثالثة: الشرح والتفسير
في هذه المرحلة، ينبغي أن يشجع المعلم طلابه على تفسير المفاهيم مستخدمين كلماتهم الخاصة، وتشجيعهم على الاستماع إلى تفسيرات أقرانهم، وتفسيرات المعلم. ويفترض أن تبنى هذه التفسيرات على ملاحظاتهم وأفكارهم التي قاموا بتسجيلها. وهنا يقوم المعلم بتزويد الطلاب بالتعريفات والتفسيرات المبنية على الخبرات السابقة لطلابه، ويعتمد عليها في إدارة المناقشات داخل الغرفة الصفية.
إن التسلسل في تحديد وطرح الأسئلة يعد أمراً هاماً، حيث يحدث الانتقال في التعلم من المحسوس إلى المجرد، ومن السهل إلى الصعب، ومن المعروف إلى الجديد. ويعد المعلم هنا الشخص المسؤول عن معرفة المحتوى بشكل جيد حتى يستطيع أن يتابع ويستجيب لأعمال الطلاب واستفساراتهم. ويساعده ذلك في إعادة توجيه الطلاب الذين لا يتابعون مجموعاتهم كما هو متوقع، في الانخراط مع أقرانهم في المجموعات التي يعملون فيها.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يشجع طلابه على تفسير ملاحظاتهم بكلماتهم الخاصة، يستمع إلى مناقشات الطلاب ويبني عليها، يطرح أسئلة ويطلب إيضاحات، يتقبل جميع وجهات النظر المعقولة.
دور الطالب: يفسر، يستمع، يسأل، يستخدم استنتاجات وملاحظات سابقة، يوفر إجابات معقولة للأسئلة المطروحة، يتفاعل بطريقة إيجابية مع تفسيرات أقرانه في المجموعة الواحدة ومع أقرانه في المجموعات الأخرى.
الخطوة الرابعة: الاثراء والتوسع
يقوم الطلاب في هذه المرحلة بتطبيق المفاهيم والمهارات التي تعلموها في مواقف جديدة مشابهة، مستخدمين مجموعة من المهارات مثل طرح الأسئلة، واقتراح الحلول، واتخاذ القرارات، وتصميم التجارب، وتسجيل الملاحظات. ومن الأمور المفيدة هنا قيام الطلاب بتلخيص الأفكار التي قاموا بتعلمها، وتطبيقها، وعكس ذلك يعني أن هنالك خلل ما وان خطة الدرس لا تسير كما خطط لها. وفي هذه الحالة سيضطر المعلم إلى بدأ الدرس القادم من النقطة التي توقف عندها الدرس الحالي.
وتساعد هذه المرحلة المعلم في جعل طلابه يربطون المعرفة الجديدة التي تعلموها مع معرفتهم وخبراتهم السابقة بروابط تجعل تعلمهم ذي معنى، بحيث يكون من السهل عليهم استرجاع هذه المعرفة عند الحاجة إليها في وقت لاحق.
 وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يستخدم المعلومات المكتسبة لمزيد من التعلم في مجالات أو موضوعات أخرى، ويشجع الطلاب على تطبيق المفاهيم والمهارات الجديدة وتوسيعها، وتشجيعهم على استخدام مصطلحات وتعريفات تمت دراستها مسبقاً.
دور الطالب: يطبق مصطلحات وتعريفات جديدة، ويستخدم المعلومات السابقة، ويطرح الأسئلة، ويقدم استنتاجات معقولة من الأدلة، ويسجل الملاحظات ويقدم لها التفسيرات.
 الخطوة الخامسة: التقويم
ينبغي أن تكون عملية التقويم عملية مستمرة طيلة وقت الدرس، من خلال الملاحظة المباشرة للتلاميذ وكيفية استخدامهم للمعرفة والمهارات، وتطبيقهم للمفاهيم الجديدة، والتغير الذي يحدث في طريقة تفكيرهم. ويمكن للمعلم أن يحقق ذلك من خلال طرحه للأسئلة مفتوحة النهاية، التي تحتاج إلى استخدام القدرات العقلية العليا.
ومن المهم هنا التذكير مرة أخرى، أن عملية التقييم ينبغي أن لا تؤجل حتى الانتهاء من فعاليات الدرس. ويمكن للمعلم أن يعرف بإحساسه الخاص الطريقة التي يسير بها درسه، ويزداد هذا الإحساس دقة مع زيادة خبرة المعلم في مثل هذا النوع من التعليم. ويساعده في ذلك قيامه بطرح أسئلة مثل: ما الذي تعلمه تلاميذي، ويرتبط بالأهداف التي وضعتها لدرسي؟ وكيف يقومون بتوضيح وعرض ما تعلموه لأقرانهم؟
وتساعد هذه الخطوة المعلم في تقييمه لتخطيطه، وطريقة عرضه لدرسه. وهنا تلعب موضوعية المعلم دوراً مهماً في التقييم الذاتي، وعليه أن يتوقع أن درسه لن يكون كاملاً دائماً، وانه توجد عثرات أو صعوبات متوقعة عند الممارسة الواقعية لفعاليات الموقف الصفي، وبخاصة عند تعليم سلوكات جديدة لأول مرة.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يلاحظ سلوك الطلاب أثناء استكشافهم وتطبيقهم للمفاهيم والمهارات الجديدة، ويقوّم معرفة الطلاب ومهاراتهم، ويشجع الطلاب على تقويم تعلمهم، وتوجيه أسئلة مفتوحة.
دور الطالب: يبدي معرفة وفهماً للمهارات والمفاهيم، ويقوّم تقدمه الخاص به، ويجيب عن أسئلة مفتوحة، ويقدم إجابات وتفسيرات معقولة للأحداث والظواهر.

المضامين التربوية للبنائية

للبنائية جذور فلسفية ونفسية واجتماعية وتربوية. ورغم الأهمية العظيمة التي تعطى لفهم الأفكار البنائية، إلا أن فهم المضامين التربوية لهذه الأفكار لا تقل أهمية بالنسبة لكل من المتعلم والمعلم. إن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها البنائية أن التعلم الإنساني يحدث عندما يقوم الأفراد ببناء معرفة جديدة معتمدين في ذلك على معارفهم وخبراتهم السابقة. وتتعارض وجهة النظر هذه بشكل واضح مع الفكرة التي تقول إن التعلم يحدث عندما تنتقل المعلومات بشكل سلبي من فرد إلى آخر، وهي وجهة النظر التي تؤكد أهمية استقبال المعرفة لا بنائها.
وهناك نقطتان جوهريتان تحيطان بالفكرة البسيطة حول بناء المعرفة. الأولى تشير إلى أن الأفراد يستخدمون ما يعرفونه لفهم ما لا يعرفونه، إذ لا توجد أدمغة بيضاء يمكن أن تلتصق بها المعرفة الجديدة. أي أن المتعلمين يأتون إلى مواقف التعلم المختلفة بمعرفتهم المكتسبة من خبراتهم السابقة، وهذه المعرفة تؤثر وتتأثر بالمعرفة الجديدة التي تبنى خلال الخبرات التعلمية الجديدة.
أما الفكرة الثانية فتشير إلى أن التعلم عملية نشطة لا عملية سلبية، إذ يقوم المتعلمون ببناء فهمهم الخاص في ضوء ما يمارسونه في مواقف التعلم الجديدة، وعند وجود تناقض بين ما يعرفونه، وما يتعرضون له من خبرات جديدة، فان معرفتهم السابقة يمكن أن تتغير لاستيعاب المعرفة الجديدة. ويبقى المتعلمون فعّالين خلال هذه العملية، فيقومون بتطبيق فهمهم الجديد، ويلاحظون العناصر المختلفة في الموقف الجديد الذي يتلاءم والخبرات الجديدة.
وللبنائية مضامين هامة لعملية التعليم:
أولاً: يصعب التعامل مع عملية التعليم على أنها نقل للمعارف من فرد لآخر، وبهذا لا يقبل المعلم البنائي أن يقوم بدور الناقل للمعرفة فقط، فهو الميسر، والمرشد، الذي يهيأ بيئة التعلم، ويوفر فرص التعلم لطلابه.
ثانياً: إذا كان التعلم يبنى على المعارف المسبقة للطلبة، فان على المعلمين أن يلاحظوا ويكشفوا ويقيموا هذه المعارف لدى طلبتهم، وان يعملوا على تجسير الفجوة بين ما يعرفه الطلاب، وما ينوي أن يعلمهم من معارف وخبرات جديدة.
ثالثاً: إذا كان على الطلاب أن يطبقوا ما تعلموه من معارف جديدة، ينبغي على معلمهم أن يشركهم في عملية التعلم، ويشجعهم على العمل الجماعي، والتفاعل الاجتماعي فيما بينهم، ومناقشة أفكارهم ومفاهيمهم مع أقرانهم في المجموعة الواحدة.
رابعاً: إذا كانت المعرفة الجديدة تبنى بشكل فعّال، فعلى المعلم أن يوفر الوقت اللازم لعملية  البناء هذه.
إذا كانت عملية التعلم عملية بنائية، وأن عملية التدريس ينبغي أن تصمم بطريقة توفر أفضل الفرص لعملية البناء هذه، فما هي الممارسات التي تجعل المعلمين يتحولون إلى التعليم الذي يتمركز حول الطالب، أي يتحولون إلى التعليم البنائي؟
على المعلم أن يعرف أن التعلم البنائي لا يقتصر فقط على الأطفال، بل يتميز به جميع المتعلمين. وبهذا ينبغي أن يمنح التطور المهني للمعلمين الفرص الكافية لاختبار أفكارهم ومعتقداتهم حول مفهومي التعلم والتعليم البنائي. إن تحول المعلم من معلم تقليدي إلى معلم بنائي لا يتم من خلال ورشة عمل ليوم واحد، ولكن من خلال خطة طويلة الأمد تركز على الممارسة المنظمة للأفكار البنائية تدريجياً داخل غرفة الصف، وذلك بإعطاء دور اكبر للطالب في تحمل مسؤولية تعلمه.
إن معظم المعلمين يقومون بالتعليم بالطريقة التي تعلموا بها، لا بالطريقة التي تم إخبارهم ليعلموا بها. ومن هذا المنطلق على مدربي المعلمين أن يستخدموا الأفكار البنائية في تدريبهم وورشات العمل أثناء الخدمة لإعطاء النموذج في تطبيق التعليم البنائي، إذ لا يكفي قيام المدربين بوصف طرق التعليم، وتوقع أن يقوم المتدربون بترجمة هذا الوصف إلى ممارسة، وأن إشراك المتدربين في النشاطات أثناء التدريب يعطيهم فاعلية أكبر في نقل هذه الممارسات إلى غرفهم الصفية.
إن فكرة البنائية تمثل واحدة من الأفكار العظيمة في التربية، وإذا كان للجهود التي تبذل لإصلاح التربية والتعليم أن تنجح فلابد أن تركز على الطالب. والمشاركة العظيمة التي تقدمها البنائية في عملية الإصلاح هذه تأكيدها دور الطالب في عملية التعلم، وتحمله لهذه المسؤولية.
وحتى تتمكن من تطبيق هذه الطريقة، ينبغي مراعاة الأمور الآتية:
1. ابدأ درسك بظاهرة متناقضة، أو سؤال محير، أو عرض عملي يثير دهشة الطلاب.
2. اسأل أسئلة محددة، وأخرى متشعبة لتتمكن من تقييم المعرفة المسبقة لديهم، والتعرف على المفاهيم البديلة أو الخطأ التي تتعلق بموضوع الدرس.
3. اترك الطلاب يندمجون في الإجابة على الأسئلة موضوع الدرس ( وزع أوراق العمل، واتركهم يقومون بالنشاطات العملية في مجموعات من 3 – 5 طلاب ).
4. دعهم يدونوا أفكارهم وتفسيراتهم والحلول المحتملة للأسئلة التي تطرح عليهم.
5. انتبه للطلبة الذين يحملون مفاهيم بديلة، أو نظريات ساذجة لا تتفق مع المفاهيم المقبولة علمياً.
6. استخدم أسئلة متنوعة، وتذكر تصنيف بلوم، وتأكد أن الأسئلة تشمل جميع المستويات في التصنيف ( المعرفة، والاستيعاب، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، والتقييم ).
7. لا تكن حريصاً على إعطاء الإجابة مباشرة، ويمكن مناقشة الحلول الصحيحة مع الطلاب قبل نهاية الدرس.
8. قم بدور الموجه، والميسر للطلبة، وتابع تقدمهم طيلة الدرس نحو تحقيق الأهداف المرسومـة.
9. وأخيراً حتى تصنف كمعلم بنائي، لابد من الإعداد الجيد، وتهيئة البيئة الصفيـة، والنشاطات، وأوراق العمل قبل بداية الدرس بوقت كافٍ.

المراجع

الخليلي، خليل يوسف وعبد اللطيف، حيدر ويونس، محمد جمال الدين. (1996).  تدريس العلوم في مراحل التعليم العام، ط1، دار القلم للنشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة.
مصطفى، مصطفى حسن. ( 2004 ). فاعلية طريقة بنائية لتدريس الكيمياء في تنمية مهارات التفكير العلمي والتحصيل لدى طلبة المرحلة الثانوية في الاردن. رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان، الاردن.
Crowther, D. ( 1997 ). Constructivism Under Construction. Electronic Journal of Science Education, 2 ( 2 ), retrieved Oct, 6, 2002 from: http://unr. edu/homepage/crowther/ejse/ejsev2n2. html.
Driver, R. , & Oldham, V. (1986). A constructivist approach to curriculum    development in science. Studies in Science Education, 5, 61-84.
Ismat, A. ( 1998 ). Constructivism in Teacher Education: Consideration for those who would link practice to theory. ERIC NO: ED 426986.
Lorsbach, A. & Tobin, K. ( 1993 ). Constructivism as a Referent for Science Teaching. NARST News, 34, 9 – 11.
Mayer, R. E. (1996). Learners as information processors: Legacies and limitations of educational psychology's second metaphor. Educational Psychologist, 31(3/4), 151-161.
Mestre, J. ( 1994 ). Cognitive Aspects of Learning and Teaching Science.  From: Chapter 3 of Teacher Enhancement for Elementary and Secondary Science and Mathematics: Status, Issues, and Problems. S. J. Fitzsimmons & L. C. Kerpelman  ( Eds ), Washington, D. C.: National Science Foundation ( NSF 94 – 80 ).
Osborne, R. J. , & Wittrock, M. C. (1985). The generative learning model and its implications for science education. Studies in Science Education, 12, 59-87.
Solomon, J. (1997). Constructivism and primary science. Primary Science Review, 49, 2-5.
Stoddart, T. , Connell, M. , Stofflett, R. , & Peck, D. (1993). Reconstructing elementary teacher candidates' understanding of mathematics and science content. Teaching and Teacher Education, 9(3), 229-241.
Tobin, K. (1993). Referents for making sense of science teaching. International Journal of Science Education, 15(3), 241-254.
Von Glasersfeld, E. (1992). A constructivist's view of learning and teaching. In R. Duit, F. Goldberg & H. Niedderer (Eds. ), Research in Physics Learning: Theoretical Issues and Empirical Studies (pp. 29-39). University of Kiel: Institute for Science Education.
Von Glasersfeld, E. (1995). Radical constructivism: A way of knowing and learning. London: Falmer Press.
Vygotsky, L. ( 1978 ). Social Development Theory. From: Mind in Society. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Yager, R. E. (1991). The Constructivist Learning Model. Science Teacher, 58(6), 52-57.


السبت، 6 ديسمبر 2014

نماذج التدريس

نمـاذج التـدريـس، استراتيجياته، وطرقه، ومهاراته

د. مصطفى حسن مصطفى

العبيكان للتعليم

مقدمة

          يتضمن التخطيط لتدريس وحدة دراسية أو محتوى تعليمي معين عدداً من القرارات التي ينبغي على المعلم اتخاذها، كمعرفة المحتوى التعليمي، والممارسات التعليمية– التعلمية، وتحديد نقاط القوة والضعف في المحتوى، ومعرفة حاجات واهتمامات طلبته، وأفضل طرق التدريس وأكثرها فاعلية، والإطار العام للتقويم وأدواته المناسبة. إنّ التعليم الفعّال لا يعد مجرد مجموعة من الممارسات الذكية فقط، بل مجموعة من القرارات التي ينبغي أن تتخذ حول كيف، وماذا نعلم؟ فالمعلم الفعّال، هو المعلم الذي لا يستخدم نفس الممارسات التعليمية في كل حصة صفية، بل يتأمل بكل ما يقدمه لطلبته، ويلاحظ ممارساتهم التعلمية، وهل يتعلمون بالفعل أم لا؟ وفي ضوء ذلك يقوم بتغيير نشاطاته وممارساته التعليمية (Glickman, 1991).

          ولوجود عدد لا بأس به من المتغيرات التي يجب أن يأخذها المعلمون بعين الإعتبار عند اتخاذهم لقراراتهم المتعلقة بالتدريس، فمن الضروري أن يكون لديهم قاعدة مفاهيمية وإطار عام للأهداف المحورية والعامة والخاصة بكل مبحث يقومون بتدريسه، وذلك لفهم مستوى القرارات التي يتخذونها لتحديد نماذج التدريس، واستراتيجياته، وطرقـه، ومهاراته المناسبة لتقديم محتوى تعليمي معين للطلاب. ويوضح الشكل التالي الإطار العام للمنهاج المحوري.


                                                               الاطار العام للمنهاج المحوري

الإطار العام للمنهاج المحوري


          يوضح الإطار العام للمنهاج المحوري العلاقة التبادلية بين الأهداف المحورية، والمنهاج بأهدافه العامة والخاصة، والتدريس بنماذجه واستراتيجياته وطرقه ومهاراتـه، وبيئة التعلم. كما يوضح أهمية اتخاذ القرار بخصوص إختيار استراتيجيات التدريس، والطرق الفاعلة لتحقيق الأهداف العامة للتربية من خلال منهاج محكم يرتبط بطريقة فاعلة مع الأهداف المحورية من جهة، ومع استراتيجيات التدريس من جهة أخرى. ويشير كذلك الى أهمية توفير بيئة تعلم فاعلة تأخذ بعين الإعتبار حاجات الطلاب، وقدراتهم، وإهتماماتهم. وفيما يلي توضيح أكثر تفصيلاً لكيفية ارتباط نماذج التدريس باستراتيجياته وطرقه ومهاراته.

الإطار العام للتدريس


          يوضح الشكل التالي الاطار العام للتدريس الذي يحدد، ويوضح العلاقات التبادلية بين نماذج التدريس المستخدمة التي تتناسب وتوجهات مشروع تطوير مناهج الرياضيات والعلوم، فهي تعد النماذج المرجعية لتحقيق الاهداف العامة المحورية للتربية والتعليم، ويمكن تطبيقها لتحقيق الاهداف العامة والخاصة لمختلف المناهج الدراسية. كما يوضح الشكل مستويات نماذج التدريس بمحتواها العريض وصولاً الى مهارات التدريس التي تمثل سلوك تعليمي محدد يقوم به المعلم.
                                                       الإطار العام للتدريس


ويوضح الشكل التالي العلاقة بين نماذج التدريس واستراتيجياته وطرقه ومهاراته


            العلاقة بين نماذج التدريس واستراتيجياته وطرقه ومهاراته




نماذج التدريس


يشير الأدب التربوي إلى وجود أربعة نماذج رئيسة للتدريس (Joyce and Weil, 1986 )، وفيما يلي ملخص لهذه النماذج:

نموذج معالجة المعلومات

يركز هذا النموذج على اكتساب وإتقان ومعالجة المعلومات، إذ إن الأساس في هذا النموذج التركيز على الوظيفة المعرفية للطالب.

نموذج التعلم الذاتي

يكون التركيز في هذا النموذج على تطوير مفهوم الذات لدى المتعلم، وهذا يتضمن تطوير الطرق التي يستخدمها المتعلم في بناء وتنظيم ذاته الخاصة. إن التركيز على مفهوم الذات القوي والواقعي يساعد المتعلم على بناء علاقات الإتصال والتواصل مع الآخرين، ومع البيئة التي يتفاعل معها.

نموذج التفاعل الاجتماعي

يركز هذا النموذج على بناء العلاقات الإجتماعية بين الأفراد والجماعات. والأساس في هذا النموذج العمل على تحسين قدرة المتعلمين على التفاعل والإنخراط مع الآخرين ضمن بيئة ديمقراطية، والوصول بالمتعلم إلى فرد منتج في مجتمعه.

النموذج السلوكي

يركز النموذج السلوكي على تغيير السلوك الظاهر للمتعلم ليتناسب مع مفهوم الذات لديه. وكنتيجة مبنية على أساس نظريات المثير والاستجابة / التعزيز، يركز النموذج السلوكي للتدريس على تقسيم مهمات التعلم إلى سلسلة من مهمات التعلم الصغيرة على شكل سلوكات ومهمات متتابعة.

إن نماذج التدريس المذكورة ليست بالضرورة النماذج الحصرية للتدريس. ويمكن لوحدة تدريسية أن تبنى على أكثر من نموذج, ويمكن لدرس واحد كذلك أن يعتمد على أكثر من نموذج للتدريس.

استراتيجيات التدريس


تتضمن عملية اتخاذ القرار من المعلم عند اختياره استراتيجيات التدريس، التركيز على محتوى المنهاج، وعلى الخبرات والمعرفة السابقة للطلاب، واهتماماتهم، وأنماط تعلمهم، ومستوى التطور العقلي لديهم. مثل هذه العملية تتضمن أيضا التركيز على أدوات التقييم المستمر والمرتبطة بأهداف التعلم العامة والخاصة.

وعلى الرغم من أنه يمكن تصنيف استراتيجيات التدريس, إلا أن هذه التصنيفات تتداخل فيما بينها، وكمثال على ذلك يمكن للمعلم أن يقدم المعلومات مستخدماً طريقة المحاضرة ( من إستراتيجية التدريس المباشر )، بينما يقوم باستخدام الطريقـة التفاعليـة (من إستراتيجيـة التدريس غير المباشر) ويطلب من طلبته تفسير المعلومات التي قدمها بطريقـة المحاضرة.

يوضح الشكل التالي خمس استراتيجيات تدريسية متداخلة، ويلي ذلك توضيح لهذه الاستراتيجيات، وسيأتي توضيح آخر لها عند الحديث عن طرق التدريس.

                                                                          استراتيجيات التدريس


التدريس المباشر

تعد إستراتيجية التدريس المباشر من أكثر الاستراتيجيات استخداما من المعلمين. وتتضمن هذه الإستراتيجية طرق تدريس متعددة مثل، المحاضرة، والحوار والمناقشة، والتدريب والممارسة، والعروض التقديمية. . . وغيرها.

          وتعد هذه الإستراتيجية من الاستراتيجيات الفعّالة في تقديم المعلومات، والتدريب على المهارات التي تتضمن سلسلة من الخطوات, وهي فعالة أيضاً عند استخدامها مع طرق تدريس أخرى, أو عند إشراك الطلاب في بناء المعرفة.

وهذه الإستراتيجية عادة تعد من الاستراتيجيات الاستنباطية، إذ يتم تقديم القاعدة أو التعميم ثم توضح عن طريق الأمثلة. ويمكن للبعض اعتبار هذه الإستراتيجية من أسهل الاستراتيجيات استخداماً من حيث التخطيط والتنفيذ. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التدريس المباشر الفعال غالباً ما يكون أكثر تعقيداً مما يبدو عليه للوهلة الأولى.

         يستخدم المعلمون هذه الإستراتيجية بشكل واسع، وبخاصـة في المراحل الدراسيـة العليا ( الأساسية العليا, والثانوية ). لذلك فإن الاستخدام الشائع لطرق التدريس المباشر بحاجة إلى إعادة تقييم. وهناك حاجة أيضاً إلى معرفة حدود هذه الطرق في تطـوير القدرات، والممارسات، والاتجاهات الضرورية لتطوير مهارات التفكير الناقد، أو مهارات التعلم عن طريق التفاعل مع الآخرين، أو مهارات التعلم التعاوني. وحتى يضمن المعلم تحقيق أهداف التعلم لدى طلابه فانه بحاجة إلى أن يوظف استراتيجيات تدريس متنوعة داخل صفه.

التدريس غير المباشر

            الاستقصاء، والاستقراء، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات، والاكتشاف جميعها مصطلحات تستخدم عند وصف إستراتيجية التدريس غير المباشر. على عكس إستراتيجية التدريس المباشر، تتمحور إستراتيجية التدريس غير المباشــر حول الطالـب ( studentcentered ) على الرغم أن كلاً منها يكمل الأخـرى. ومن الأمثلة على طـرق التدريـس غير المباشر، المناقشـة التأمليــة ( reflective discussion )، وتكوين المفهـوم ( concept formation )، واكتساب المفهوم ( concept attainment )، وحل المشكلات، والاستقصاء الموجه.

             تبحث إستراتيجية التدريس غير المباشر عن مستوى عال من مشاركة الطلاب في الملاحظة، والتحقق، واستنتاج العلاقات من البيانات، وتكوين الفرضيات.  وتركز على اهتمامات الطلاب وإبداعاتهم في وضع البدائل أو حل المشكلات.  إنها إستراتيجية مرنة تعمل على إتاحة الفرص للطلاب لاستكشاف الاحتمالات المتعددة التي تقود إلى إجابات صحيحة، واستبعاد تلك التي تقود إلى إجابات خطأ. وتشجع هذه الإستراتيجية كذلك الطلاب على الإبداع، وتطوير قدرات ومهارات التفاعل مع الآخرين، فغالباً ما يحصل الطلاب على فهم أفضل للمحتوى التعليمي من خلال تطويرهم لهذه المهارات والقدرات.

           في إستراتيجية التدريس غير المباشر يتحول دور المعلم من المحاضـر الملقن إلى الميسر والداعم لتعلم الطلاب. يقوم المعلم هنا بتنظيم بيئة التعلم، وتوفير فـرص المشاركـة في التعلم، وتزويدهم بالتغذية الراجعة، وبخاصـة عندما يتعلمون بالاستقصاء (Martin, 1983). إن التدريس غير المباشر بحاجـة إلى توفير مصادر تعلم متعددة، مطبوعة، وغير مطبوعة. وهو بحاجة إلى التعاون بين معلمي المبحث الواحد من ناحية، ومعلمي المباحث الأخرى من ناحية أخرى، ويحتاج أيضاً إلى تفهم الإدارة المدرسية لمتطلبات مثل هذه الإستراتيجية في التدريس.

        يمكن استخدام إستراتيجية التدريس غير المباشر في كل حصة صفية تقريباً، وتحديداً يمكن استخدامها عندما:

-       تكون أهداف التعلم مبنية على تطوير التفكير.

-       يكون الغرض من الأهداف تطوير القيم والاتجاهات وعلاقات التفاعل الاجتماعي بين الطلاب.

-       تكون طريقة التعلم مهمة مثل الهدف.

-       يكون الطلاب بحاجة إلى استقصاء أو اكتشاف شيء ما.

-       يكون هناك أكثر من إجابة صحيحة.

-       يكون هناك حاجة إلى الفهم والاحتفاظ بالتعلم لفترة أطول.

-       يكون هناك حاجة إلى مشاركة الطلاب وإثارة الدوافـع الداخليـة لديهم لمزيـد مـن التعلم.

-       يكون هناك حاجة إلى اتخاذ قرارات أو حل مشكلات.

-       يكون التعلم المستمر مدى الحياة هدفاً.

        وحتى يضمن المعلم استفادة طلابه بشكل جيد من إستراتيجيـة التدريـس غير المباشر، عليه أن يقوم بتدريب طلبته بشكل مسبق على مهارات الملاحظة، وتسجيل الملاحظات وترميزها، والتصنيف، والمقارنة، والاستدلال، وتفسيـر البيانـات، والتنبؤ، والتلخيص. . . وغيرها.

         إن إستراتيجية التدريس غير المباشر مثلها مثل بقية الاستراتيجيات تعاني عيوباً مثل الحاجة إلى مزيد من الوقت مقارنة مع إستراتيجية التدريس المباشر، وشكوى المعلمون، والإدارة المدرسية من قضية الضبط الصفي. ولا تعد إستراتيجية التدريس غير المباشر الإستراتيجية المثلى لتزويد الطلاب بالمعلومات، أو اكتساب مهارة مكونة من عدة خطوات، أو عندما يكون الهدف تذكر أو استدعاء المعلومات في المحتوى.

 التدريس التفاعلي

         تعتمد إستراتيجية التدريس التفاعلي بشكل رئيس على الحوار والمناقشة، ومشاركـة المتعلمين في الفعاليات، ويعمل الحوار والمناقشة على تزويد المتعلمين بفرص التفاعـل مع أفكار وخبرات ومعارف المعلم والأقران، وإتاحة الفرصـة لهم لتوليد أفكـار وبدائل جديدة (Seaman and Fellenz, 1989 ). ويمكن للطلاب أن يتعلموا من أقرانهم ومعلميهم لتطوير مهارات التفاعل الاجتماعي لديهم, وتطوير قدراتهم لتنظيم تفكيرهم، وتطوير المبررات للأفكار التي يقومون بطرحها.

         تتيح إستراتيجية التدريس التفاعلي مجالاً واسعاً لتنظيم العمل في مجموعات، وتوظيف طرق تفاعلية متعددة. ويمكن أن تشمل هذه الطرق جعل الصف كاملاً مجموعة مناقشة واحدة، أو تقسيمه إلى مجموعات مناقشة صغيرة، أو مجموعات مشاريع، أو يمكن توزيع طلاب الصف الواحد على شكل أزواج يقومون بعمل المهمات المطلوبة معاً. إن من الأمور الهامة هنا قيام المعلم بتلخيص الموضوع أو المهمة / المهمات المطلوبة بشكل واضح، وإدارة الوقت المخصص للمناقشة، وتحديد خصائص وحجم المجموعات، ومعرفة آليات المشاركة وتقنياتها وكيفية تقديم التقارير، وتقييم عمل المجموعات. إن هذه الإستراتيجية بحاجة إلى تطوير مهارات متعددة مثل الملاحظـة، والاستماع، والتفاعـلات البينية ( التفاعل بين الأفراد )، وتطـوير القدرات والمهارات الإبداعية لكل من المعلم والطالب.

         إن نجاح إستراتيجية التدريس التفاعلي وطرقها المتعددة يعتمد بشكل كبير على خبرة المعلم في إدارة عمل المجموعات وتطويرها بين فترة وأخرى.

التعلم المبني على الخبرة

يعد التعلم المبني على الخبرة تعلمـاً استقرائيا، يتمحـور حـول المتعلـم، ومبنـي على النشـاط. ويحدث التعلم المبني على الخبــرة عندمـا يعمل المتعلمون على (Pfeiffer &  Jones, 1979 ):

-       المشاركة في نشاط.

-       البحث والتأمل بشكل ناقد في طبيعة النشاط لمزيد من الفهم.

-       الخروج باستنتاجات مفيدة من تحليل النشاط.

-       تطبيق النتائج التي توصلوا إليها في مواقف جديدة.

      يمكن النظر إلى التعلم المبني على الخبرة على أنه دورة تتكون من خمس محطات مترابطة كل منها ضروري للأخرى وهي:

-       حدوث النشاط.

-       المشاركة في النشاط.

-       التحليل والبحث والتأمل.

-       الخروج باستنتاجات وتعميمات.

-       التطبيق في مواقف جديدة.

        يكون التركيز في إستراتيجية التعلم المبني على الخبرة على الممارسات والنشاطات التي يقوم بها المتعلم أكثر من التركيز على الهدف نفسه. ويمكن للمعلم استخدام هذه الإستراتيجية داخل الغرفة الصفية أو خارجها. وكمثال على ذلك يمكن أن يقوم الطلاب بتشكيل محكمة داخل الغرفة الصفية على شكل محاكاة للمحكمة الواقعية، وفي خارج الغرفة الصفية يمكن أن يلاحظوا قاعة المحكمة بشكل واقعي والاطلاع على الإجراءات التي تقوم بها المحاكم وذلك من خلال دراسة يقومون بتنفيذها. ويستخدم الطلاب مصادر متنوعة ومتعددة في هذه الإستراتيجية.

       ويؤخذ على هذه الإستراتيجية عدم إمكانية تطبيقها في جميع المواقف الصفية، وبخاصة أن هناك بعض النقد الذي يمكن أن يوجه للخبرات التي يمكن أن يكتسبها الطلاب، أو ما يتعلق بدرجة الأمان أثناء ممارسة النشاطات، أو التكلفة المالية للنشاط أو عدم توفـر الوقـت الكافي لتنفـيذ النشاط. وعلى أي حال فإن الفوائد التي يمكن أن يجنيها الطلاب من ممارسة النشاطات يمكن أن تعوض الجهود الإضافية التي تحتاجها هذه الإستراتيجية، كالاحتفاظ بالتعلم لفترة أطول مقارنة بالطرق التقليديـة التي تتضمن الاستماع أو القراءة أو حتى النظر، ويكون الطلاب عادة أكثر دافعية للتعلم، وبخاصـة عندما يقدمون خلاصـة أعمالهم لأقرانهم في الغرفة الصفية.


التعلم الذاتي

       يمكن أن يفهم من عنوان هذه الإستراتيجية أن التعلم هنا يحدث نتيجة جهود ذاتية يقوم بها المتعلم نفسه دون الرجوع إلى معلم أو مشرف يتابع مدى التقدم في التعلم. ولأغراض هذا البرنامج التدريبي يقصد بإستراتيجية التعلم الذاتي: بأنها مجموعة الطرق والوسائل التي يستخدمها المتعلم لتحقيق أهدافه التي رسمها لنفسه ولكن تحت قيادة وإشراف معلمه. إذ إن هذه الإستراتيجية يخطط لها بشكل جيد بالتعاون ما بين الطالب والمعلم، ويمكن أن يتم التعلم الذاتي بالتعاون مع الآخرين، أو من خلال مجموعات عمل صغيرة.

         تعد هذه الإستراتيجية من استراتيجيات التدريس الهامة وبخاصة في هذا العصر الذي يتطلب اتخاذ القرارات المسؤولة، وتحليل المشكلات والتأمل فيها ومعالجتها، والتكيف مع التغيرات الاجتماعية التي تترافق مع التطورات المتسارعة في مجالات العلم والتكنولوجيا. لهذا يتضح أهمية إكساب الطالب مهارات التعلم الذاتي مدى الحياة الذي سينعكس على متطلبات التغيير في العمل والأسرة والمجتمع ( McNeil & Wiles, 1990).

احد الأهداف الرئيسة الهامة لهذه الإستراتيجية هي: مساعدة الطلاب على الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس، وأن يكونوا مواطنين مسؤولين بتعزيز القدرات الفردية لديهم. ويمكن أن تقوم المدرسة بدور مهم في هذا المجال. وعلى أي حال إذا كانت المعرفة والقدرات والاتجاهات والممارسات ينبغي تعليمها عن طريق التعلم الذاتي فلا بد من توفير الوقت الكافي للطلاب ليقوموا بالمهمات التي يكلفون بها. ويمكن البدء باستخدام هذه الإستراتيجية اعتبارا من مرحلة الروضة والاستمرار بها في جميع المراحل الدراسية، ويكسبهم هذا القدرة على الاستمرار في التعلم حتى بعد مغادرة بيئة التعلم الرسمية في المدرسة.

           ويشجع التعلم الذاتي الطلاب على تحمل المسؤولية في التخطيط لتعلمهم، واكتساب المعرفة بأنفسهم. ويمكن استخدام هذه الإستراتيجية مع استراتيجيات تدريسية أخرى, أو يمكن استخدامها بشكل مستقل لدراسة وحدة دراسية كاملة، ويعتمد ذلك على قدرة المتعلم في تحمل المسؤولية وعلى مستوى التطور العقلي لديه. وهذه العوامل مهمة للمعلم عند التخطيط لاستخدام هذه الإستراتيجية.

         إن توفير مصادر التعلم المناسبة لهذه الإستراتيجية يعد أحد العوامل الهامة لنجاحها. إن المعلم الذي يرغب في أن يمتلك طلبته القدرة على التعلم الذاتي بحاجة إلى توفير الدعم اللازم لتطوير قدراتهم في الوصول إلى مصادر المعلومات. ومن الأمور الهامة هنا أن يقوم المعلم بالبناء على ما يمتلك الطلاب من مهارات وقدرات التعلم. هذه القدرات تتفاوت ضمن المجموعة الواحدة، لذلك ينبغي أن تؤخذ هذه الاختلافات بالإعتبار عند التخطيط للمهمات والواجبات التي ستعطى للطلاب. إن تعاون الإدارة المدرسية وأمين المكتبة وقيم مختبر الحاسوب في المدرسة، وتعاون المجتمع المحلي تعد من العوامل الهامة في نجاح هذه الإستراتيجية.

       تعد هذه الإستراتيجية من الاستراتيجيات المرنة التي يمكن استخدامها كإستراتيجيـة رئيسة مع طلاب الصف, أو يمكن استخدامها مع طالب واحد، أو أكثر بينما ينشغل بقية الطلاب بالتعلم عن طريق استراتيجيات تدريسية أخرى.

طرق التدريس


        بعد أن يتخذ المعلم قراره أي استراتيجيات التدريس سيستخدم، عليه أن يختار طرق التدريس المناسبة للإستراتيجية المختارة. وكما هو الحال مع استراتيجيات التدريس، فإن طرق التدريس أيضاً تتداخل فيما بينها، وتم تصنيفها هنا فقط للتوضيح، ويوضـح الشكل التالي هذه الطرق موزعة على استراتيجيات التدريـس الخمس التي تم توضيحـها سابـقاً، وسيتم تناول بعض هذه الطرق بشيء من التفصيل.


                                                                        طرق التدريس

التدريس المباشر

المحاضرة: تعد هذه الطريقة جزء هام من الرصيد الذي يملكه المعلم عندما لا تتوفر الإمكانات لتوظيف طرق تدريسية أخرى. فإذا كان المعلم يمتلك المعرفة الكافية، والقدرة على إثارة الدافعية، وتطوير الإبداع، وحب الاستطلاع لدى طلبته فإنه يستطيع توظيف هذه الطريقة بفعالية عالية. إن المعيار لاستخدام طريقة المحاضرة يجب أن يأخذ بالاعتبار طبيعة الخبرات التي ينبغي تقديمها، وطبيعة الاهداف التعلمية المتوقعة من الطلاب. ولأن هذه الطريقة تتمحور حول المعلم فان انتباه الطلاب لما يلقى عليهم قد يكون محدوداً، فمعظم الطلاب وبسبب اختلاف أنماط التعلم لديهم قد لا يتمثلون محتوى المحاضـرة بشكل جيد، إضافة إلى أن المحتوى الذي يقدم بطريقة المحاضرة غالباً ما ينسى.

الحوار والمناقشة: توفر هذه الطريقة للمعلم فرصة اختيار الأسئلة التي سيتم تناولها في الحصة الصفية، وغالباً ما تبدأ هذه الأسئلة بـ "ماذا"و" أين "و" متى "و" كيف ". ويمكن استخدام هذه الأسئلة بفعالية لتشخيص، واستدعاء معرفة الطلاب المسبقة، أو لتفحص مهارات الاستيعاب لديهم، والبناء على خبراتهم ( McNeil & Wiles, 1990 )، لذا ينبغي على المعلم أن يعد الأسئلة التي سيدور حولها الحوار والمناقشة بشكل جيد، بحيث تكون واضحة، وبسيطة، وذات إجابات قصيرة. وعلى أي حال فإن فعاليـة هـذه الطريقـة تظهر بشكل واضح عندما يضاف إلى أسئلـة الحوار والمناقشة أسئلة من نوع " لماذا " أو " ماذا لو".

التدريس غير المباشر

تكوين المفهوم: توفر طريقة تكوين المفهوم للطلاب فرصة استكشاف الأفكار عن طريق البحث في طبيعة العلاقات والروابط بين عدد من الحقائق أو المعلومات. ويمكن لهذه الطريقة أن تساعد الطلاب في تطوير قدراتهم على استدعاء المعلومات والتمييز بين عدد من الأفكار الرئيسة، أو للبحث في أوجه الشبه والاختلاف، أو تحديد العلاقات، أو تكوين المفاهيم والتعميمات، أو تفسير كيفية تنظيم المعلومات، أو البحث عن إثباتات لدعم طريقة تنظيم المعلومات.

       في هذه الطريقة يزود الطلاب بالبيانات حول مفهوم معين، وهذه البيانات يمكن جمعها من المعلم أو من الطلاب أنفسهم، ويتم هنا تشجيع الطلاب على التصنيف أو وضع البيانات في مجموعات، ثم وضع أسماء لهذه المجموعات وفق الخصائص المميزة لها، وعن طريق الربط بين الأمثلة والأسماء المعطاة للبيانات، وبذلك يمكن للطلاب أن يشكلوا فهمهم الخاص بالمفهوم.

       ويمكن للدروس المبنية على تكوين المفهوم أن تساهم في إثارة دافعية الطلاب للتعلم بشكل كبير، وذلك لان الطلاب أنفسهم يشاركون بفعالية في التعلم وبناء المعرفة. إضافة إلى انها تتيح لهم فرصة تكوين معانيهم الخاصة عن العالم والبيئة المحيطة بهم، وتنظيم هذه المعاني بطرقهم الخاصة وضمن سياقات ووسائل جديدة.

الاستقصاء: توفر طريقة الاستقصاء للطلاب فرص التعلم عن طريق الخبرة والممارسة لجمع المعلومات والبيانات عن الظواهر والمشكلات. ويلزم لهذه الطريقة مستوى عالٍ من التفاعل بين المتعلم، والمعلم، ومجال البحث أو الدراسة، والمصادر المتوفرة، وبيئة التعلم. ويصبح الطلاب فعّالين في هذه الطريقة عندما:

-       يعملون في ضوء اهتماماتهم وحب استطلاعهم.

-       يطورون أسئلتهم.

-       يفكرون في أوجه التشابه والاختلاف.

-       يبحثون في المشكلات بطريقة تحليلية.

-       يعيدون النظر في مفاهيمهم السابقة، ويدققون فيما يعرفونه حالياً.

-       يطورون ويختبرون الفرضيات.

-       يصلون إلى استنتاجات ويقترحون الحلول المحتملة للمشكلات.

       وتعد مهارة التساؤل قلب طريقة الاستقصاء. وينبغي على الطلاب أن يوظفوا هذه المهـارة في طرح الأسئلة المناسبة وتطوير الوسائل للبحث عن الإجابات وإيجاد التفسيرات. وطبيعة الأسئلة المرغوبة هنا الأسئلة التي تعمل على تطوير مهارات التفكير التباعدي التي تتميز بوجود أكثر من إجابة واحدة صحيحة، وتؤدي هذه الأسئلة إلى التوسع في طرح المزيد من الأسئلة. ومن خلال الاجابة عليها يتوصل الطلاب إلى أن المعرفة التي يقومون ببنائها معرفة نسبية وليست مطلقة، وتقود إلى طرح المزيد من الأسئلة المفتوحة، وصياغة العديد من الفرضيات البديلة.

الاستقصاء الاستنباطي: تتركز فكرة الاستقصاء الاستنباطي في انتقال الطلاب من التعميمات أو المبادئ العامة إلى الأمثلة أو الحقائق المفردة. وتشمل أيضاً اختبار الافتراضات العامة، وتطبيقها، واستكشاف العلاقات بين مختلف عناصرها. ويكـون دور المعلم هنا ميسراً يتعاون في توفير المعلومات، أوالأفكار، أو الفرضيات. ويعتمد الاستقصاء الاستنباطي على التمثل المنطقي وتنظيم المعلومات والبيانات بأشكال مختلفة.

الاستقصاء الاستقرائي: تساعد هذه الطريقة الطلاب في بناء الحقائق، وتحديد الأسئلة وتطوير الوسائل لإجابات هذه الأسئلة، وتفسيراتها، وتشجعهم على صياغة فرضياتهم الخاصة. وتتطلب هذه الطريقة من الطلاب الانتقال من المشاهدات أو الحقائق المفردة إلى صياغة التعميمات أو المبادئ العامة. ولمساعدة الطلاب على التعلم بهذه الطريقة يقوم المعلم باختيار مجموعة من الأحداث أو الظواهر، ثم يقوم الطلاب بتسجيل ملاحظاتهم، ومشاهداتهم الخاصة، واستنتاج نمط يربط بين هذه المشاهدات للوصول إلى إطار نظري يطلق عليه التعميم ( نظرية أو قانون أو مبدأ عام )، كما ينبغي على المعلم تشجيع طلبته على التعاون والمشاركة في الأفكار فيما بينهم.

التدريس التفاعلي

الحوار والمناقشة: يدرك المتعلمون أن للمعرفة أكثر من إجابة صحيحة، وانه يمكن اكتسابها عن طريق الاستقصاء والمشاركة الفاعلة. إن طريقة المناقشة يمكن تكييفها مع العديد من المواقف الصفية. وكمثال على ذلك يمكن التعامل مع جميع طلاب الصف كمجموعة مناقشة واحدة، إذ يمكن للمعلم ملاحظة اهتمام الطلاب بموضوع معين أثناء تقديمه لعرضه، ويكون هذا الموضوع نقطة البدء بالمناقشة. وتعمل هذه الطريقة على توفير مناخ صفي ايجابي وتقود الطلاب للاهتمام بالموضوعات التي تطرح داخل الغرفة الصفية، ويمكن للمعلم هنا أن يقوم بتدريب طلبته على الاستماع الفاعل، والبناء على إجاباتهم.

         وتبنى المناقشات الفاعلة عادة على مواد ومصادر تعلم مألوفة للطلاب. وتظهر المشكلة للمعلم عند استخدامه لهذه الطريقة عندما لا تظهر استجابات للطلاب على القضية المطروحـة للنقاش، وفي هذه الحالة ينبغي تشجيع الطلاب على إبداء الرأي، ثم مناقشة جميع الآراء المطروحة للوصول إلى فهم مشترك للقضية المطروحة، وينبغي أن يتأكد المعلم أن طلبته يفهمون الأفكار الرئيسة وتطبيقاتها في المواقف الجديدة. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المناقشات قد تقود الطلاب إلى مزيد من البحث مستقبلاً.

السؤال والجواب: عندما يستخدم المعلم طريقة السؤال والجواب بفعالية، يشعر طلبته بالبراعة والإبداع، فعندما يطرح المعلم أسئلته ينبغي أن يستجيب الطلاب لهذه الأسئلة، وان لا يوجهوا حديثهم للمعلم فقط بل إلى أقرانهم أيضاً. وهنا على المعلم أن يراعي وقت الانتظار بعد طرح الأسئلة، وإتاحة الفرص لهم للاستجابة وذلك لزيادة مشاركتهم وتحسين نوعية الإجابات التي يتلقاها.

مجموعات التعلم التعاوني: تعد جميع العناصر التي يشملها التعلم التعاوني ضرورية لجميع طرق التدريس التفاعلية. وتكون مجموعات التعلم التعاوني عادة صغيرة الحجم يتراوح عدد أعضائها من 2 إلى 6 أعضاء، وتكون هذه المجموعات غير متجانسة اعتماداً على خصائص الطلاب، ويكون لكل عضو في هذه المجموعات دوره الخاص، ويتبادلون الأدوار عادة بين فترة وأخرى، وعلى كل عضو في هذه المجموعات أن يحترم الرأي والرأي الآخر.

وتشير الدراسات التي أجريت حول فاعلية مجموعات التعلم التعاوني مقارنةً بالتعلم التنافسي إلى انه يؤدي إلى تحسن في تحصيل الطلاب، ويثير الدافعية للتعلم، ويوفر جو من التعاون والألفة بين أعضاء المجموعة الواحدة، ويحسن الإتجاهات الإيجابية نحو المبحث الذي يتم تعلمه بهذه الطريقة، ونحو معلم المبحث نفسه، وزيادة الثقة بالنفس، وتحسين المهارات الاجتماعية، وامتلاك القدرة على الحديث، والمناقشة مع الآخـــرين   ( Johnson and Johnson, 1989 ). وإضافة إلى ذلك يشير سلافين ( Slavin, 1987) إلى ضرورة توفر شرطين لنجاح التعلم بهذه الطريقة: ينبغي أن يعمل جميع الأعضاء نحو تحقيق هدف مشترك، ولضمان الوصول إلى الهدف المشترك ينبغي أن يكون جميع أعضاء المجموعة فاعلين في العمل نحو تحقيق هذا الهدف.

التعلم المبني على الخبرة

المحاكاة: لبدء نشاطات المحاكاة، يقوم المعلم بتقديم مشكلة أو موقف أو حدث يمثل بعض جوانب الواقـع من مواقف حياتيـة. ولأن الخبرة هي عملية محاكاة ينبغي التخلص من أية مخاطر أو تعقيدات يمكن أن ترتبط مع تمثيل الواقع. أضف إلى ذلك أن مستوى التجريد أو التعقيد يتم اختزاله بشكل مقصود حتى ينخرط الطلاب مباشرة في تعلم المفاهيم الأساسية، إذ تسمح طريقة المحاكاة كذلك بإجراء بعض التجارب التي قد لا تحدث في البيئة الحقيقية. ويمكن أن تتضمن عمليات المحاكاة استخدام النماذج أو تصميم بعض الألعاب أو لعب الدور أو الحاسوب التفاعلي أو برامج الفيديو، وفي جميع الحالات يتم إثارة دافعية الطلاب، وحب استطلاعهم للمشاركة في نشاطات المحاكاة.

وخلال نشاطات المحاكاة يصبح الطلاب مشاركين فعالين في عمليات التعلم. ويمكن أن يرتبط العديد من أهداف التعلم بطريقة المحاكاة. ويقوم بعض الطلاب بالتركيز على تطبيق معارفهم، ومهاراتهم، وقدراتهم المسبقة، بينما يقوم البعض الآخر بالتركيز على اكتساب معرفة جديدة أو الفهم أو الاستبصار وإدراك المعرفة. وتعمل معظم نشاطات المحاكاة على تحفيز وتطوير مهارات التفكير الناقد والإبداعي، وتطوير مهارات التفاعل الاجتماعي بين الطلاب، وتنمية الاتجاهات والقيم الايجابية.

الخيال المركز: تدريب الطلاب على تخيل الأشياء أو الأحداث أو المواقف طريقة تكسب الطلاب القدرة على تطوير مهاراتهم الإبداعية (Bagley & Hess, 1987). فالتخيل يقود الطلاب إلى الاسترخاء ويسمح لهم بعمل تخيلات للتأمل بالنشاطات التي يقومون بتنفيذها، وبناء الصور الذهنية التي يبنونها نتيجة الاستجابة لحواسهم التي تختبر وتلاحظ المواقف والظواهر والأشياء مباشرة. ويؤدي التخيل إلى إتاحة الفرصة للتفكير المتشعب والتوسع في التعرف على عدد كبير من المفاهيم المرتبطة بمشكلة أو دراسة ما. ويسمح للطلاب بربط خبراتهم ومعارفهم السابقة بالأفكار والمعارف الجديدة التي يتعلمونها. وتؤدي تمارين التخيل داخل غرفة الصف إلى تنشيط وتطوير القدرات الإبداعية للطلاب، ويتم ذلك بتشجيع المعلم لطلبته على التفكير التباعدي بوضعهم في مواقف تجعلهم يتخيلون حلولاً متعددة لمشكلة ما.

التعلم الذاتي

الأسئلة المعينة: وهي تلك الأسئلة التي يعدها المعلم ويطلب من طلبته الإجابة عنها بشكل فردي أو من خلال مجموعات العمل الصغيرة. ويقوم الطلاب هنا بمناقشة إجابات الأسئلة مع أقرانهم من ناحية أو مع معلمهم من ناحية أخرى، وينبغي أن تدعم الإجابات أو وجهات النظر بالإثباتات العلمية، وتظهر فعالية هذه الطريقة في التدريس عندما لا تكون إجابة الأسئلة روتينية أو ميكانيكية يتم استخراجها من كتاب أو مرجع بشكل مباشر، إذ على المعلم إعداد أسئلة تهدف إلى مراجعة المفاهيم أو الحقائق العلمية أو النظريات وتحتاج إلى مزيد من التفكير والبحث، وتوظيف مهارات تفكير عليا أو مهارات حل المشكلات والاستقصاء، وبذلك تظهر آراء وحلول متعددة للسؤال الواحد أو المشكلة الواحدة.  

التعلم بالعقود: يتيح التعلم عن طريق العقود فرصة تفريد التعليم، وتحميل الطالب مسؤولية تعلمه، ومن ميزات هذه الطريقة أن المتعلم يكتسب المعرفة بحسب قدراته حتى إتقانه المحتوى المطلوب حسب العقد المبرم مع معلمه. ويمكن للمعلم أن يستخدم هذه الطريقة مع بعض الطلاب ذوي الحاجات الخاصة (الموهوبين أو ذوي صعوبات التعلم). وعندما يبدأ الطالب التعلم باستخدام العقود، ينبغي على المعلم تزويده بأهداف التعلم المطلوبة، ويحدد له بعض مصادر التعلم، والوقت اللازم لتنفيذ المشروع. وعندما يكتسب الطلاب خبرة التعلم عن طريق العقود يمكن للمعلم أن يشركهم في وضع أهداف التعلم، ووضع الشروط الأخرى للعقد، وهنا يسمح لهم باختيار منهجية العمل، أو طرق تنفيذ النشاطات المرافقة للمشروع. ويمكن لهذه الطريقة أن تعمل على إثارة دافعية الطلاب، وحب استطلاعهم لمزيد من التعلم. وبعد اكتسابهم الخبرات اللازمة يمكن أن يتعلموا بشكل ذاتي، وبالتالي يمتلكون مهارات تعليم أنفسهم، ومشاركة ما يتعلمونه مع الآخرين.

مهارات التدريس


         تعد مهارات التدريس من أكثر سلوكات التعليم تحديداً، وتستخدم بشكل دائم كجزء هام من ممارسات عملية التدريس، وهي ضرورية لأغراض إجرائية ولبناء خبرات التعلم المناسبة لدى الطلاب. ومهما تكن خبرة المعلم أو فعاليته فان تطوير مهاراته في التدريس تعد تحدياً مستمراً. وهناك العديد من مهارات التدريس وممارساته، بعضها أكثر استخداماً من الأخرى، وبعضها الآخر أكثر تعقيداً، ويعتمد اختيار هذه المهارات بشكل رئيس على خصائص الطلاب، ومتطلبات المنهاج، وطرق التدريس المختارة. وفيما يلي توضيح لمهارتين منها:

مهارتي التفسير والعرض

       يأخذ المعلم وقتاً طويلاً في غرفة الصف في تفسير وتوضيح أمر ما لجميع طلاب الصف، أو لمجموعـة عمل صغيرة، أو حتى بشكل فردي، إذ إن معظم مصادر التعلم ومواده المتوفرة للطالـب لا تعطي تفسيرات أو توضيحات ذات قيمة للمفاهيم، ولـذلك فإن معظم الطلاب في الغالب يحتاجون إلى توضيح وتفسير هذه المفاهيم.

التفسير

        تعطى بعض التفسيرات لتساعد الطلاب على اكتساب فهم أعمق لمفهوم معين أو فهم بعض النظريات أو التعميمات, ولذلك على المعلم اختيار التعريف المناسب للمفهوم وكذلك الأمثلة المنتمية وغير المنتمية للمفهـوم.  ويقتـرح شوستاك ( Shostak, 1986 ) أن توضح التفسيرات ما يلي:

-       علاقات السبب والنتيجة (كإضافة الحمض إلى القاعدة).

-       أي فعل محكوم بقاعدة أو قانون (توضيح متى يكتب الحرف كبيراً في اللغة الانجليزية).

-       خطوات عمل أو طريقة ما (كتوضيح خطوات حل مسألة رياضية).

-       الهدف من القيام بعمل أو نشاط ما (توضيح الهدف من عمل درامي أو مسرحي).

العرض

        يحدث معظم تعلم الطلاب من خلال ملاحظة الآخرين، وتوفر العـروض التي يقدمها المعلـم رابطــاً بيـن " التعرف حول أمر ما " و " امتلاك القدرة على القيام بعمل ما "، وأكثر العروض فعاليـة هي تلك التي تتميـز بالدقـة، ووضوح المشاهدة، وفهم الطلاب لما يجري في هذه العـــروض، والتي تترافـق مع تفسيرات ومناقشـات مختصرة (Arenas, 1988).

مهارة طرح الأسئلة

       تعد مهارة طرح الأسئلة من أكثر المهارات استخداما داخل الغرف الصفية. وعندما يقوم المعلم بتوظيف هذه المهارة بشكل جيد فإنه يحقق:

-       درجة عالية من مشاركة الطلاب عندما تتوزع الأسئلة على أكبر عدد ممكن في الغرفة الصفية.

-       خلطاً مناسبا للأسئلة المستخدمة من مستويات معرفية مرتفعة ومتدنية.

-       زيادة فهم الطلاب للموضوعات المطروحة.

-       إثارة وتوجيه وتوسيع مهارات التفكير لدى الطلاب.

-       تقديم التعزيز والتغذية الراجعة المناسبة للطلاب.

-       تعزيز مهارات التفكير الناقد.

-       تشجيع المهارات والمبادرات الإبداعية للطلاب.

       يجب أن يخطط للأسئلة الجيدة بعناية، وطرحها بوضوح وبشكل مباشر لتحقيق أهداف محددة مسبقاً. إن فهم المعلم لتقنيات طرح الأسئلة، ووقت الانتظار، ومستوى الأسئلة تعد أمورا أساسية لإعداد أسئلة جيدة. وينبغي أن يعرف المعلم أن استجابات طلبته تختلف من طالب لآخر, ولذلك ينبغي أن يراعي هذا الأمر عند إعداد الأسئلة وبخاصة عندما يشمل الصف طلاب من ثقافات وحضارات أو بيئات مختلفة.

تقنيات طرح الأسئلة

       يجب أن يعمل المعلم على لفت انتباه طلبته قبل أن يبدأ بطرح الأسئلة. وان يقوم المعلم بطرح سؤاله لجميع طلاب الصف قبل أن يختار احد الطلاب للإجابة, وان تتوزع الأسئلة على فئة الطلاب الذين يرغبون والذين لا يرغبون بالإجابة، وان يشجع طلبته على الحديث لجميع طلاب الصف عند إجابتهم عن الأسئلة المطروحة. وعلى أي حال ينبغي على المعلم أن يكون حساساً وبخاصة للطلاب الذين يخجلون من الحديث أمام أقرانهم داخل الصف، وان لا يجعل من طالب واحد مركز الاهتمام في الغرفة الصفية.

وقت الانتظار

       يعرف وقت الانتظار على انه فترة التوقف المؤقت بين طرح السؤال وتلقي الإجابة. وتوفير وقت انتظار آخر بعد أن يستجيب احد الطلاب يسمح للطلاب الآخرين التأمل في إجابة زميلهم وهذا يتيح مجالاً أوسع لمناقشات إضافية. إن زيادة وقت الانتظار يؤدي إلى تلقي إجابات أكثر من الطلاب وينشط مستويات التفكير العليا لديهم.

مستويات الأسئلة

         بينما يكون هناك حاجة إلى استدعاء واستيعاب الحقائق، تظهر الحاجة إلى تحدي الطلاب بأسئلة من مستويات تفكير عليا مثل التحليل أو التركيب أو التقييم. وهناك حاجة إلى طرح أسئلة من مستويات تفكير مختلفة في كل المراحل التعليمية وفي كل الموضوعات الدراسيـة. وينبغي إتاحة الفرص لجميع الطلاب للاستجابة لجميع مستويات الأسئلة. ويتحمل المعلمون مسؤولية قيادة الطلاب، وعمل المداخلات التي تسهل تعلم الطلاب، والإجابة عن جميع الأسئلة من مستويات التفكير المتعددة.

خاتمة

          ما يتعلمه الأطفال لا يعتمد على ما يتم تعليمهم إياه فقط، وإنما على الطريقـة التي يتعلمون بها، وعلى مستوى تطورهم، واهتماماتهم، وخبراتهم،. . . . وهذه النظرة إلى التعليم والتعلم تحتاج من المعلمين مزيداً من التركيز والانتباه لنماذج التدريس، واستراتيجياته، وطرقه، ومهاراته المستخدمة في تقديم المحتوى التعليمي للطلاب.

المراجع


Arenas, R. (1988). Learning to teach. New York: Random House.

Bagley, M. and Hess, K. (1987). 200 ways of using imagery in the classroom. Munroe, NY: Trillium Press.  

Glickman, C. (1991). Pretending not to know what we know. Educational Leadership, 48(8), 4-10.

Johnson, D. W. & Johnson, R. T. (1989). Cooperative learning and mainstreaming. In R. Gaylord-Ross (Ed. ), Integration strategies for students with handicaps (pp. 233-248). Baltimore: Paul Brookes Publishing.

Joyce, B. & Weil, M. (1986). Models of teaching. (3rd ed). Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

Martin, J. (1983). Mastering instruction. Toronto: Allyn and Bacon.

McNeill, J. & Wiles, J. (1990). The essentials of teaching: Decisions, places and methods. New York: MacMillan.

Pfeiffer, J. & Jones, J. (Eds. ) (1979). Annual handbook for group facilitators. San Diego: University Associates.

Seaman, D. & Fellenz, R. (1989). Effective strategies for teaching adults. Columbus: Merrill.

Shostak, R. (1986). Lesson presentation skills. In J. Cooper (Ed. ), Classroom teaching skills (pp. 111-137). Lexington: Heath.

Slavin, R. E. (1987). Cooperative learning and the cooperative school. Educational Leadership, 45(3), 7-13.

  8 - أدوات رائعة لإدخال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ( STEM ) إلى الغرفة الصفية By :  Rachelle Dené Poth ترجمة: د. مصطفى ح...