التعلم البنائي ودورة التعلم
د. مصطفى حسن مصطفى/ العبيكان
للتعليم
مقدمة
يحظى تدريس الرياضيات والعلوم بمكانة خاصة في الأنظمة التربوية،
إذ لا يخلو أي نظام تربوي من إعطائهما المكانة التي تستحق نظراً لدورهما الهام في
تقدم الأمم ورقي الشعوب، فبواسطتهما يكتسب المعلم والمتعلم مجمل خبراتهما، وعن
طريقهما يحدث النمو والتقدم، وبفضلهما يواجها أخطار البيئة، ويسخراها ويصبح كل
منهما منتجاً للمعرفة وتطبيقاتها، ولهذا تمثل عملية تدريس الرياضيات والعلوم
جانباً هاماً من حياة كل فرد وكل مجتمع، وتشكل عاملاً هاماً في تقدم المجتمعات
علمياً وتكنولوجياً.
وعلى الرغم من ان اهداف تدريس الرياضيات والعلوم على المستويين الوطني
والعالمي تؤكد على تزويد الافراد بمهارات التفكير التي تؤهلهم للتعامل مع عالم
سريع التغير، الا انه يلاحظ اعطاء اهمية خاصة للمعلومات واساليب تنفيذها في غرفة
الصف دون الالتفات الى تدريب الطلاب على مهارات التفكير للاستمرار في عملية التعلم
الى ما بعد تخرجهم من المدرسة وبالتالي تعليمهم كيف يتعلمون (مصطفى، 2004). وتؤكد
أهداف مشاريع تطوير مناهج الرياضيات والعلوم في معظم الدول على تشجيع الطلاب على طرح
التساؤلات لفهم الظواهر الطبيعية المحيطة بهم وتفسيرها، وتزويدهم بالمعارف
والمهارات والاتجاهات الايجابية للمشاركة الفاعلة والعيش الكريم في القرن الحادي
والعشرين، وعليه فان مناهج الرياضيات والعلوم ينبغي ان تعنى بتنمية مهارات
الاستقصاء والتفكير الناقد مع الاخذ بعين الاعتبار القضايا الاخلاقية المرتبطة
بالبيئة والمجتمع الانساني.
وفي ظل هذه النظرة الى مناهج الرياضيات والعلوم، ينبغي
الا يكون تدريسهما مجرد تنظيم لاستراتيجيات التدريس وتنويعها وتدريب المعلمين على
هذه الاستراتيجيات عن طريق تعريفهم بها، بل ينبغي ان يتعدى ذلك الى توفير الدعم
لهم في مدارسهم ومتابعتهم للتاكد من انتقال اثر التدريب الى داخل الغرف الصفية.
وهنا ينبغي التاكيد على ضرورة ان يتحلى المعلمون بالصبر اثناء تعاملهم مع طلبتهم
وهم يقومون بالنشاطات بانفسهم، والاخذ بعين الاعتبار المعارف والخبرات السابقة
التي يحملونها الى داخل الغرف الصفية، وتشجيعهم على مناقشة افكارهم ومفاهيمهم مع اقرانهم
ومع معلميهم. وان يقبل المعلمون دورهم الجديد في ظل هذه المناهج بحيث يتحولون
من دور الناقل للمعرفة الى دور الميسر والمرشد والمقيّم الذي يعطي الطلاب
دوراً رئيساً في عملية التعلم وتحمل المسؤولية وانتاج المعرفة بانفسهم.
وكان لنظريات التعلم المعرفية تاثيرها في توجيه السياسات
والبحوث التربوية المتعلقة بتعليم الطلاب ودورهم في عملية التعلم (Stoddart, Connell, Stofflet
& Peck, 1993)، اذ تؤكد هذه
النظريات الدور الفعال للطالب في بناء معرفته ومعانيه وافكاره الخاصة من خلال
الخبرة والممارسة. ولهذا يعتقد سولومون (Solomon, 1997) ان الطريقة التي
يعلم بها المعلمون المحتوى على درجة من الاهمية تساوي اهمية المحتوى نفسه. وحيث ان
المنحى النقلي في التعليم اثبت عدم فاعليته ظهرت دعوات الى التحول من التركيز على
التعليم الميكانيكي الى التعليم من اجل الفهم (Driver & Oldham, 1986). ورافق ذلك في
عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين دعوات الى اجراء مزيد من البحوث التي
تخدم فكرة ان التعلم ما هو الا بناء للمعرفة (Mayer, 1996).
تعد النظرية البنائية للتعلم واحدة من النظريات الهامة في علم
النفس التربوي التي تستند على فكرة ان جميع الخبرات والافكار التي يحملها المتعلم
تلعب دوراً هاماً في استجابته للمعرفة الجديدة وبناء المعاني منها بفاعلية ونشاط (Osborne & Wittrock, 1985). وعند الاجابة عن
السؤال فيما اذا كانت البنائية نظريـة في المعرفـة او طريقـة في التدريس، قال فون
جليسرزفيلد (VonGlaserfeld, 1992): ان البنائية تقود
الى اسئلة المعرفة أي ما هي المعرفة ؟ ومن اين تاتي؟ ولكن بعد عامين من ذلك قال:
ان وجهـة النظر البنائية ما هي الا محاولة لتفسير طريقة التفكير وليس جمع الادلة
حول الحقائق المستقلة (Von Glaserfeld, 1995)، وقد فضل ان يطلق
عليها نظرية في التعرف "knowing Theory of"،
وتجنب استخدام مصطلح نظرية في المعرفة " Theory of knowledge ". فالحقيقة
ليست الشيء الذي ندركه، بل هي تصوراتنا لهذا الشيء. وتصبح هذه التصورات الذهنية هي
اساس نظرة الشخص الى العالم من حولـه وتصرفاتـه ازاء هـذا العالم (الخليلي وآخرون،
1996).
تنظر البنائية الى عملية التعلم، كعملية ديناميكية اجتماعية
يقوم المتعلمون من خلالها بعمليات البناء النشط للمعاني والافكار اعتماداً على خبراتهم،
وربطها بمفاهيمهم السابقة، وتتضمن كذلك عمليات تفاعل نشطة بين المعلمين والمتعلمين،
اذ يحاول المتعلمون هنا اعطاء معانيهم الخاصة التي تتواءم مع خبراتهم ومعارفهم المسبقة،
أي يدخلون الغرف الصفية بمعرفة مسبقة تم بناؤها منذ عدة سنوات. وتعد المعرفة
المبنية لدى الطلاب محاولة لتنظيم الخبرات والملاحظات بحيث تكون ذات معنى بالنسبة
لهم، وتجعلهم قادرين على استخدامها في عمل التفسيرات والتنبؤات (مصطفى، 2004).
التعليم البنائي للرياضيات والعلوم
-
التعرف على وجهات نظر الطلاب وافكارهم.
-
اتاحة الفرص لهم لاستكشاف افكارهم
واختبارها، واستخدامها في تفسير الظواهر، وعمل التنبؤات.
-
تزويدهم ببيئة تعلم تساعدهم على تطوير
او تعديل او تغيير افكارهم ووجهات نظرهم ان لزم الامر.
-
تشجيع ودعم محاولاتهم على اعادة
التفكير واعادة بناء افكارهم ومفاهيمهم.
تعد طرق التعلم المبنية على الافكار البنائية من الطرق المفيدة
في مساعدة الطلاب على التعلم. والممارسات الآتية مشتقة من النظريات المعرفية التي
يمكن ان تساعد على الفهم، واستدعاء المعرفة، وتطبيق المعلومات، والمفاهيم، والمهارات
اللازمة في المواقف المختلفة. وهي تفعل تدريس الرياضيات والعلوم، وتنشط المعرفة
المسبقة لدى الطلاب، وتساعدهم على التوسع في المعلومات وتنظيمها، وتشجعهم على
التساؤل. وهذه الممارسات هي (مصطفى، 2004):
المنظمات المتقدمة: وهي عبارات عامة تعطى قبل البدء
بعملية التدريس، وتهدف الى ربط المعلومات الجديدة بالمعرفة الموجودة لدى الطلاب،
وذلك لمساعدتهم على تنشيط البنية المعرفية لديهم وتشجيعهم على المواءمة بين
المعلومات الجديدة والموجودة لديهم اصلاً.
اجراء المقارنات: وتهدف هذه الممارسة الى الكشف عن اوجه
التشابه والاختلاف بين المعلومات، وذلك لمساعدة الطلاب على تعلم معلومات جديدة
وربطها بالبنية المعرفية لديهم.
التوسع: وتهدف هذه الممارسة الى التوسع في استخدام مواد وطرق
جديدة لتطبيق المعلومات في مواقف اخرى، وتشجع هذه الممارسة الطلاب على التفكير
بالمعلومات بطريقة تجعل عملية الربط بين الجديد والقديم من المعلومات عملية سهلة
وذات معنى.
وحتى تتم عملية التعلم
بشكلها الصحيح لا بد من التعرف على ما لدى الطالب من معارف وخبرات. وللوصول الى
ذلك ينبغي ان يكون لـدى المعلمين فكـرة واضحة عما يعرفـه ويفهمه الطلاب ليتمكنوا
من اشغالهم في النشـاطات التي تساعدهم على بنـاء معاني جديدة (VonGlaserfeld, 1992). ان اتاحة الفرص للطلاب
للتعبير عن افكارهم حول مفاهيم محددة يعد من الامور الهامة في عملية التعلم،
والمعلم البنائي في هذا الجانب يساعد طلبته على التعلم ذي المعنى، وبذلك فهو يتيح
الفرص لطلابه ويشجعهم على الاكتشاف والابداع والابتكار واقتراح الحلول والتفسيرات.
يتم بناء المعرفة الجديدة بسهولة عندما يتمكن المتعلم من ربط
المحتوى الجديد مع بنيته المعرفية الموجودة مسبقاً، ويحدث هذا عندما تكون البنية
المعرفية الموجودة صحيحة. على أي حال فان المعرفة السابقة الخطأ أو "
المفاهيم البديلة " أثبتت أنها تؤدي إلى تعطيل تعلم مفاهيم علمية أساسية.
وعند محاولة تقييم المعرفة السابقة لدى الطلاب، يمكن للمعلم أن يجدها معرفة ضبابية
(غير واضحة)، أو مفقودة (غير موجودة أصلاً)، أو صحيحة، أو خطأ. فإذا كانت المعرفة
السابقة غير واضحة يجب توضيحها وإذا كانت غير موجودة أصلاً يجب تزويدهم بها، وإذا
كانت خطأ يجب تغييرها، وأخيراً إذا كانت صحيحة يجب استخدامها كأساس لبناء معرفة
جديدة. ويمكن للطلبة تعلم معلومات جديدة بسهولة اكثر عندما تتفعّل البنية المعرفية
لديهم وترتبط بمعرفة جديدة. ويسمح للمفاهيم الجديدة أن تحل محل المفاهيم الخطأ
لديهم فقط عندما تكون اكثر صحةً واكثر قوةً واكثر نفعاً، أو بطريقة ما يفضلونها
على مفاهيمهم الموجودة لديهم.
ويؤكد المربون ومنظرو التعليم على أن التعلم لا يمكن أن يحدث
بوساطة الاتصال اللفظي فقط، أي أن الطلاب لا يدخلون غرفة الصف بأدمغة فارغة، وما
على المعلم إلا أن يقوم بملء هذه الأدمغة بالمعرفة. ويقترح هؤلاء المربون أن التعليم
والتعلم يجب أن يعتمد على المنحى البنائي للمعرفة، إذ إنه يعطي الطلاب الفرصة
لبناء معاني خاصة للمفاهيم العلمية كما يتعلمونها داخل غرفة الصف (Lorbach & Tobin, 1993). بمعنى آخر ينبغي
أن يترك الطلاب ليكتشفوا مفهوما" جديدا" تحت إشراف معلمهم. وهذا النوع
من التعلم المثالي يمكن أن يتم بصورة افضل عندما ينشغل الطلاب بطريقة التعلم
بالاكتشاف، وذلك باستخدام أيديهم بالنشاطات المصاحبة للحوار وتبادل الأفكار مع
المعلم والأقران في غرفة الصف حول المفهوم موضوع الدرس. وبهذا يصبح التعلم مفيداً
وذي معنى عند فهمهم لما يتعلمون، مع ملاحظة أن النشاطات التي تعمل على زيادة
التعلم ذي المعنى يجب أن ترتكز على عمليات الاستقصاء، والقياس، وجمع البيانات،
والاستنتاج، واستخلاص النتائج، وتدوين الاكتشافات والملاحظات.
يتضح من ذلك ان النظرية البنائية تركز
على أن التعلم عملية تفاعل نشطة يستخدم فيها الطالب أفكاره السابقة لإدراك معاني
التجارب، والخبرات الجديدة التي يتعرض لها، ويكون دور المعلم ميسّراً وليس ناقلاً
للمعرفة، ويكون للطلبة الدور الفعال في عملية التعلم، وتبنى المعرفة من قبل الطلاب،
ولا توجد مستقلة عنهم، فالطالب هنا معالج فعال للمعلومات يقبل على التعلم وهو يحمل
آراءه الخاصة حول الظواهر الطبيعية. أما في نظريات التعلم الأخرى، فالتعلم يعد
عملية تراكم للمعرفة دون وجود ترابط أو تناسق بين أجزاء هذه المعرفة، وتكون مهمة
المعلم نقل المعرفة إلى الطلاب، فالمعلم هو الذي يكون فعّالاً في هذه الحالة،
والطالب هنا غير فعّال إذ يكتفي بقبول المعرفة التي يقدمها المعلم.
مبادئ التفكير البنائي
المبدأ الأول: البناء
الفعّال للمعنى (The Active Construction of Meaning): من
الأمـور الجوهرية في البنائية أن المعنى يبنى بطريقة فعـّالة من المتعلمين أنفسهم
إذ يقوم جميع الأفراد بتنظيم خبراتهم في أبنية معرفيـة تدعـى مخططات عقلية (سكيماتا
schemata)
تتكيف وتتغير مع التطور العقلي للفرد. الخبرات أو المفاهيم التي يتعامل معها الفرد
لأول مرة تعالج بواحدة من طريقتين: التمثل، وهي إدخال الفكرة الجديدة في المخطط
العقلي الموجود لدى الفرد، أو استيعابها في مخطط عقلي جديد. هذا التنظيم، وإعادة
التنظيم يأخذ مكانه في العقل البشري، وبذلك يعتمد التعلم والتطور كل على بعضه
الآخر، ونتيجة ذلك خلق أبنية معرفية أكثر تعقيداً بمرور الزمن.
وفيما يتعلق بعملية التوازن فإن
البنائية تشير إلى أن الأفراد الذين يكونون على وعي بأمر ما، يظهرون اهتماماً
خاصاً عندما تتعارض توقعاتهم مع خبراتهم السابقة. ويؤدي هذا التناقض المعرفي إلى
حالة عدم توازن، وهو الأمر الذي يشير إلى أن شيئاً ما ليس على ما يرام، وأن هذا
الشيء لا بد له من معالجة. وهذا الشعور لدى الأفراد يدفعهم إلى التمثل أو
الاستيعاب بهدف العودة إلى حالة التوازن العقلي. وللعودة إلى هذه الحالة ينبغي
عليهم العمل على البيئة، عن طريق تصنيف الأشياء، أو التفاعل مع الآخرين، أو
التفكير مع أنفسهم حول كيفية التعامل مع هذه المعلومات الجديدة. لذلك فالأفراد هم
أنفسهم مسؤولون عن إظهار حالة عدم التوازن، ومسؤولون عن إزالتها للعودة إلى حالة
التوازن المعرفي لديهم. أما التفكير السلوكي فعلى العكس من ذلك فهو يتعامل مع
العقل الإنساني كصندوق مقفل تؤثر فيه البيئة عن طريق المثيرات التي تسبب
الاستجابات، والتعزيز الذي يؤدي إلى تكرار هذه الاستجابات. ويشير البنائيـون إلى
مفهوم التوازن، على أنه آلية يطلقون عليها " ميكانيكيـة التصحيح الذاتي
"self –
righting mechanism (Crowther , 1997)،
وهي الفكرة التي تعني أن الأفراد يبذلون جهداً يؤدي إلى تكيفهم مع ما يحيط بهم.
المبدأ الثاـي: التأثيرات
الاجتماعية على البنائية (Social Influences on Constructivism): ويشير هذا
المبدأ إلى أن التعلم يتم في مواقف اجتماعية حقيقية ضمن سياقات ذات معنى (Yager, 1991).
وهي بذلك تؤكد دور الآخرين في عملية التعلم. فالأفراد يتعلمون بمعدلات مختلفة بسبب
خواصهم الوراثية التي ولدوا بها (عوامل شخصية)، أو بسبب عوامل خارجيـة تؤثر عليهم،
مثل البيئة بمـا فيها الأفراد الآخرون. ويتضمن هذا المبدأ أن المفاهيم او المهارات
التي يجد الأفراد صعوبة في اكتشافها إلا في مراحل متقدمة من العمر، يمكن تعلمها من
أفراد آخرين تمكنوا من تطويرها.
وتعد اللغة واحدة من الوسائل الهامة
التي طورها الإنسان لتسهيل عملية التعلم والتطور (Vygotsky, 1978)،
إذ إنها أداة تركيبية بسبب خواصها في تشكيل الكلمات، والجمل، والفقرات. وينبغي على
المتعلمين استخدامها لتنظيم تفكيرهم بطريقة قابلة للتوصيل إلى الآخرين وهي في الغالب
أداة تؤدي إلى اكتساب المعرفة. على أي حال تعد اللغة واحدة من أدوات عدة للتواصل
فهناك التخيل والمعتقدات والرياضيات والفنون، …. هذه الرموز والأدوات ينبغي
تطويرها وتعليمها بالتفاعل المستمر بين أفراد المجتمع.
أما عند السلوكيين فتعد الطبيعة
الفيزيائية لميكانيكية المثير ـ الاستجابة مسؤولة عن عملية التعلم، وبهذا يمكن للفرد
أن يتعلم دون جهود الآخرين، وبالتأكيد دون استخدام الرموز، إذ إن البيئة وحدها هي
المؤثرة على الفرد بغض النظر عن وجود الآخرين وتفاعلهم أو مشاركتهم الذاتية معه.
وتؤكد البنائية أن التفكير البنائي يتشكل لدى الفرد عندما يتمكن من بناء المعاني
الخاصة به نتيجة التفاعل بين المعرفة والمعتقدات الموجودة لديه والأفكار والمواقف
الجديدة التي يواجهها، وهي الآلية التي تتوافر بفعالية في المواقف الاجتماعية
المختلفة (Ismat
, 1991).
المبدأ الثالث: أهمية
الأعمال الموجّهة ذاتياً (Importance of Self -
Regulatory Practices): ويشير هـذا المبدأ إلى أن التعلـم والتطور يكون
نتيجـة للأعمـال الموجهة ذاتيـاً مـن الفـرد (Vygotsky, 1978)،
وهذا يعني أن الأفراد يمتلكون القدرات التي تمكنهم من ضبط تفكيرهم، ومشاعرهم،
ودوافعهم، وأعمالهم. والنفس البشرية بهذا المعنى تؤثر في سلوك الأفراد واختياراتهم
وأهدافهم في الحياة. وعلى العكس من ذلك تشير وجهة النظر السلوكية إلى أن المتعلم
قابل للتشكيل بوساطة الأمثلة، أو الممارسة والتكرار، اضافة الى التعزيز، وأن ما
يتعلمه الفرد في النهاية ما هو إلا نتيجة لتحكم البيئة المحيطة به، وفي هذا المجال
يقول عالم النفس المعروف جون واطسون John Watson: أنه يستطيع أن يعد فرداً لأنّ
يكون محامياً أو طبيباً أو مهندساً أو حتى لصاً عن طريق التحكم ببيئة الفرد التي يحيا
فيها.
والبنائية بدورها تنكر مثل هذا التأثير
على الأفراد، وبخاصة عند وقوعهم في حالة التناقض المعرفي، والفرد هو نفسه القادر
على إعادة حالة التوازن بعد تفحصه لجميع المعلومات والخبرات الجديدة التي سببت
حالة عدم التوازن هذه، وهو وحده القادر على أن يقرر إذا كانت المعلومات المتوافرة
كافية لإعادة حالة التوازن المعرفي، أو أنه يلزم البحث عن معلومات أو خبرات جديدة.
ولتوضيح هذا المبدأ يمكن الإشارة إلى رأي فيجوتسكي الذي يقول أن الفرد عند تعامله،
أو تفاعله مع الآخرين، يستطيع أن يميّز أن فهمه لمفهوم معين غير كافٍ، إذ يقوم هذا
الفرد بالبحث عن أفراد آخرين أكثر معرفة وفهماً لهذا المفهوم لتزويده بالمعلومات
التي تجعل فهمه أكثر اكتمالاً، وتعزز حالة التوازن المعرفي لديه.
المبدأ الرابع: دور العمليات
العقلية (The Role of Mental Operations): ويشير هذا
المبدأ إلى قدرة الأفراد على حل مشكلات معقدة، وذلك بتحديد المهارات والمعلومات
الملائمة للحل، ومساعدتهم على اكتشاف الحاجـة إلى مزيـد من التعلم حـول هـذه
المشكلات. ويتضمن مفهوم بياجيــه للعمليات المجـردة تركيزاً على بناء الفرضيات،
والتفكير العلمي، إلى جانب الفهم العميق للسببية (Mestre, 1994). وهذا يعني
أن الأفـراد الذين وصلوا لهذه المرحلة يمتلكون القدرة على استخدام المنطق في حل
مشكلة ما مستقلة في محتواها. وهذه العمليات تزيد من دافعية الأفراد لتحقيق أهدافهم
المستقبلية. وخلاصة القول أن الأفراد يكونون قادرين على بناء المعرفة الجديدة
اعتماداً على معلومات متوافرة لديهم.
المبدأ الخامس: البنائية،
الحقيقة والخبرة (Constructivism, Truth, and
Experience): ويهتم هذا المبدأ بفكرة أن المعرفة لدى
الفرد تساعده في تنظيم عالم الخبرات الخارجية لديه، وليس بالضرورة أن يتفق هـذا العالم
مـع ما هو موجود بالواقع، إذ يمثل الواقع ترجمـة الفـرد لـه، لذا فالحقيقـة هي
تعبيـر عـن مـدى قبولها لفترة طويلـة، وليست تعبيراً عـن مدى صحتها (Crowther, 1997).
وربما تكون أفضل طريقة لوضع النظرية
البنائية للتعلم في المكان الذي تستحق، مقارنتها بالنظرية السلوكية للتعلم، إذ انه
لتعليم مهارة أو عمل ما بحسب النظرية السلوكية ينبغي تفكيكها إلى مكوناتها أو
أجزائها، ثم تعليم الفرد كل جزء على حدة، ثم ربط هذه المكونات بعضها إلى بعض حتى
يظهر السلوك المرغوب لدى الفرد. ويلاحظ هنا أن المنحى السلوكي للتعلم يفتقر أمرين
هامين: أولهما الاهتمام بالآلية المعرفية
المستخدمة من الفرد لتعلم عملية معقدة. وقد يكون هذا من الاعتبارات الهامة لمعرفة
كيف يحدث التعلم، إذ انه يفيد في التعرف على أفضل السبل لجعل عملية التعلم أكثر
كفاية. وفي الواقع تشير البحوث المعرفية الحديثة إلى انه لا يمكن تعليم عملية
معقدة عن طريق تفكيكها إلى أجزاء دون فهم السياق الذي يشكل هذه العملية، ودون فهم
آلية التفاعل والترابط بين مكوناتها. والأمر الثاني
الذي يفتقر إليه المنحى السلوكي هو الاهتمام فيما إذا كانت عملية التعلم تعني شيئاً
ذا معنى للمتعلم أم لا. ويبدو هذا الأمر هاماً، وبخاصة إذا كانت المعرفة الجديدة تتعارض
مع المعرفة الموجودة لديه، إذ انه في هذه الحالة لن يستطيع استيعاب هذه المعرفة في
ذاكرته، وذلك لعدم وجود معنى لها، أو انه سيقوم ببناء مخطط معرفي جديـد يتعارض مع
ما لديـه مـن معرفة حـول العملية أو المـهارة التي تم تعلمها.
نموذج دورة التعلم Learning Cycle
قام عدد من الباحثين وفلاسفة التربية
بتطوير مجموعة من نماذج التدريس المبنية على الأفكار الواردة في النظرية البنائية،
وقد تميزت هذه النماذج بوجود مجموعة من الخطوات ينبغي على المعلم البنائي أن يلتزم
بها، وقد اتخذت هذه النماذج شكل الدورة، لهذا أطلق عليها اسم دورة التعلم، وعلى
الرغم من ظهور عدة صور لها (3Es, 4Es, 5Es,... 7Es )، إلا أن
الفكرة الأساسية تتمحور حول: أن الطلاب لديهم خبراتهم الخاصة بتعلم مفهوم أو موضوع
معين، وهذه الخبرات أو المعارف ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تعليمهم معرفة
جديدة. ويتناول هذا النموذج اقتراحاً لطريقة تدريس تتكون من خمس خطوات مبنية على
الأفكار البنائية الواردة في نماذج دورة التعلم، والأفكار الواردة في البنائية
الاجتماعية التي تؤكد أهمية التفاعل بين الأفراد في الحصول على المعرفة بحيث تصبح
هذه الطريقة قابلةً للتطبيق في المدرسة كل وفق إمكاناتها ومواردها، وينبغي أن لا
ينظر لخطوات هذه الطريقـــة على أنها تمثل علاقة خطية، بل يمكن التعامل معها على
أنها تمثل علاقات تفاعليــــة بحيث يمكن من خلالها الرجوع من خطوة إلى أخرى. وفيما
يلي توضيح لخطــوات هذه الطريقـــــة (مصطفى، 2004):
الخطوة الأولى: التهيئة
للدرس
في هذه الخطوة يتم إثارة الانتباه
والاهتمام بموضوع الدرس، وطرح الأسئلة، ثم تلقي الاستجابات من الطلاب، والتي تمثل
مؤشراً جيداً عما يعرفه الطلاب مسبقاً. وتمثل هذه الخطوة فرصة جيدة للمعلم لمعرفة
المفاهيم البديلة أو الخطأ التي يحملها الطلاب حول موضوع الدرس. ويقوم الطلاب هنا بطرح
أسئلة على أنفسهم مثل: لماذا يحدث ذلك؟ وكيف لي أن أجد الحل لهذه المشكلة؟.... ومن
النشاطات المفيدة في هذه الخطوة والتي تساعد في جعل الطلاب ينخرطون في موضوع الدرس،
الظواه المتناقضة أو الأحداث المحيّرة.... وسواءً بدأ المعلم درسه بطريقة مباشرة أو
غير مباشرة، فان انخراط الطلاب بموضوع الدرس يعتمد على درجة تعقيد المفهوم أو
الموضوع الذي سيتم تعليمه، وعلى الخلفية المعرفية للتلاميذ. وأحياناً قد يستخدم
المعلم خبرته العملية في إثارة الاهتمام والانتباه، وحث الطلاب على طرح أسئلتهم
ليطوّروا مفاهيمهم الخاصة اعتماداً على معرفتهم المسبقة في ضوء ما شاهدوه أو سمعوه.
وبغض النظر عن الاتجاه الذي يأخذه المعلم في هذه الخطوة، ينبغي عليه أن يركز على
انشغال طلابه، وإثارة دافعيتهم، وحب استطلاعهم في إيجاد إجابات للتساؤلات الغامضة
في أذهانهم.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم
والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: الكشف
عن المعرفة المسبقة لدى طلابه، إذ يقوم المعلم بطرح الأسئلة، وتقديم موضوع الدرس،
وإثارة حب الاستطلاع والدافعية، وتشجيع طلبته على طرح الأسئلة.
دور الطالب: يبدي
الطالب اهتمامه بموضوع الدرس، ويطرح الأسئلة، ويناقش معلمه وأقرانه في المجموعة.
الخطوة الثانية: الاستكشاف
يعطى الطلاب في هذه المرحلة فرصة العمل
معاً دون توجيه مباشر من المعلم، إذ يقوم بدور الميّسر الذي يساعد الطلاب على طرح
أسئلتهم. ويعد هذا الوقت في ضوء نظرية بياجية وقت عدم التوازن المعرفي لدى الطلاب
نتيجة تعرضهم لمواقف متناقضة أو محيّرة. وتمثل هذه المرحلة فرصة لهم حتى يختبروا
تنبؤاتهم وفرضياتهم، ويناقشوا البدائل المطروحة للحل مع أقرانهم، ويسجلوا
ملاحظاتهم وأفكارهم.
وتعد هذه المرحلة خطوة أساسية تمثل
النشاط الرئيسي في الدرس، إذ يقوم الطلاب بالعمل مع بعضهم بعضا لاستكشاف الأفكار من
خلال الحوار والنشاطات العملية. ويؤدي المعلم هنا دور الميّسر، والملاحظ، والمستمع
الذي يتابع طريقة تفاعل الطلاب مع بعضهم. ويقوم أيضاً بطرح أسئلة سابرة تهدف إلى
توضيح فهم الطلاب للأفكار والمفاهيم الأساسية. ويقوم عند الضرورة بطرح أسئلة تهدف
إلى توجيه العمل في الاتجاه الصحيح. وينبغي أن يأخذ المعلم هنا قضية إدارة الوقت
بعين الاعتبار عند التخطيط لهذه المرحلة.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم
والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يعمل
ميسراً، ويلاحظ طلبته ويستمع إليهم أثناء تفاعلهم في المجموعة، ويطرح أسئلة توجه
التفكير نحو أهداف الدرس، ويتيح الوقت للتفكير والتأمل، ويشجع طلبته على التعلم
التعاوني.
دور الطالب: يجري
النشاطات المطلوبة، ويضع فرضيات، ويستمع إلى أقرانه ومعلمه جيداً، ويشـارك في
الأفكار، ويسجل الملاحظات، ويناقش البدائل المطروحة مع أقرانه.
الخطوة الثالثة: الشرح والتفسير
في هذه المرحلة، ينبغي أن يشجع المعلم
طلابه على تفسير المفاهيم مستخدمين كلماتهم الخاصة، وتشجيعهم على الاستماع إلى
تفسيرات أقرانهم، وتفسيرات المعلم. ويفترض أن تبنى هذه التفسيرات على ملاحظاتهم
وأفكارهم التي قاموا بتسجيلها. وهنا يقوم المعلم بتزويد الطلاب بالتعريفات
والتفسيرات المبنية على الخبرات السابقة لطلابه، ويعتمد عليها في إدارة المناقشات
داخل الغرفة الصفية.
إن التسلسل في تحديد وطرح الأسئلة يعد
أمراً هاماً، حيث يحدث الانتقال في التعلم من المحسوس إلى المجرد، ومن السهل إلى
الصعب، ومن المعروف إلى الجديد. ويعد المعلم هنا الشخص المسؤول عن معرفة المحتوى
بشكل جيد حتى يستطيع أن يتابع ويستجيب لأعمال الطلاب واستفساراتهم. ويساعده ذلك في
إعادة توجيه الطلاب الذين لا يتابعون مجموعاتهم كما هو متوقع، في الانخراط مع
أقرانهم في المجموعات التي يعملون فيها.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم
والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يشجع
طلابه على تفسير ملاحظاتهم بكلماتهم الخاصة، يستمع إلى مناقشات الطلاب ويبني عليها،
يطرح أسئلة ويطلب إيضاحات، يتقبل جميع وجهات النظر المعقولة.
دور الطالب: يفسر،
يستمع، يسأل، يستخدم استنتاجات وملاحظات سابقة، يوفر إجابات معقولة للأسئلة
المطروحة، يتفاعل بطريقة إيجابية مع تفسيرات أقرانه في المجموعة الواحدة ومع
أقرانه في المجموعات الأخرى.
الخطوة الرابعة: الاثراء
والتوسع
يقوم الطلاب في هذه المرحلة بتطبيق
المفاهيم والمهارات التي تعلموها في مواقف جديدة مشابهة، مستخدمين مجموعة من
المهارات مثل طرح الأسئلة، واقتراح الحلول، واتخاذ القرارات، وتصميم التجارب،
وتسجيل الملاحظات. ومن الأمور المفيدة هنا قيام الطلاب بتلخيص الأفكار التي قاموا بتعلمها،
وتطبيقها، وعكس ذلك يعني أن هنالك خلل ما وان خطة الدرس لا تسير كما خطط لها. وفي
هذه الحالة سيضطر المعلم إلى بدأ الدرس القادم من النقطة التي توقف عندها الدرس
الحالي.
وتساعد هذه المرحلة المعلم في جعل
طلابه يربطون المعرفة الجديدة التي تعلموها مع معرفتهم وخبراتهم السابقة بروابط
تجعل تعلمهم ذي معنى، بحيث يكون من السهل عليهم استرجاع هذه المعرفة عند الحاجة
إليها في وقت لاحق.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم والطالب في
هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يستخدم
المعلومات المكتسبة لمزيد من التعلم في مجالات أو موضوعات أخرى، ويشجع الطلاب على
تطبيق المفاهيم والمهارات الجديدة وتوسيعها، وتشجيعهم على استخدام مصطلحات
وتعريفات تمت دراستها مسبقاً.
دور الطالب: يطبق
مصطلحات وتعريفات جديدة، ويستخدم المعلومات السابقة، ويطرح الأسئلة، ويقدم
استنتاجات معقولة من الأدلة، ويسجل الملاحظات ويقدم لها التفسيرات.
ينبغي أن تكون عملية التقويم عملية
مستمرة طيلة وقت الدرس، من خلال الملاحظة المباشرة للتلاميذ وكيفية استخدامهم
للمعرفة والمهارات، وتطبيقهم للمفاهيم الجديدة، والتغير الذي يحدث في طريقة
تفكيرهم. ويمكن للمعلم أن يحقق ذلك من خلال طرحه للأسئلة مفتوحة النهاية، التي
تحتاج إلى استخدام القدرات العقلية العليا.
ومن المهم هنا التذكير مرة أخرى، أن
عملية التقييم ينبغي أن لا تؤجل حتى الانتهاء من فعاليات الدرس. ويمكن للمعلم أن
يعرف بإحساسه الخاص الطريقة التي يسير بها درسه، ويزداد هذا الإحساس دقة مع زيادة
خبرة المعلم في مثل هذا النوع من التعليم. ويساعده في ذلك قيامه بطرح أسئلة مثل:
ما الذي تعلمه تلاميذي، ويرتبط بالأهداف التي وضعتها لدرسي؟ وكيف يقومون بتوضيح
وعرض ما تعلموه لأقرانهم؟
وتساعد هذه الخطوة المعلم في تقييمه
لتخطيطه، وطريقة عرضه لدرسه. وهنا تلعب موضوعية المعلم دوراً مهماً في التقييم
الذاتي، وعليه أن يتوقع أن درسه لن يكون كاملاً دائماً، وانه توجد عثرات أو صعوبات
متوقعة عند الممارسة الواقعية لفعاليات الموقف الصفي، وبخاصة عند تعليم سلوكات
جديدة لأول مرة.
وبهذا يمكن تحديد دور كل من المعلم
والطالب في هذه الخطوة كما يأتي:
دور المعلم: يلاحظ
سلوك الطلاب أثناء استكشافهم وتطبيقهم للمفاهيم والمهارات الجديدة، ويقوّم معرفة الطلاب
ومهاراتهم، ويشجع الطلاب على تقويم تعلمهم، وتوجيه أسئلة مفتوحة.
دور الطالب: يبدي
معرفة وفهماً للمهارات والمفاهيم، ويقوّم تقدمه الخاص به، ويجيب عن أسئلة مفتوحة،
ويقدم إجابات وتفسيرات معقولة للأحداث والظواهر.
المضامين التربوية للبنائية
للبنائية جذور فلسفية ونفسية واجتماعية
وتربوية. ورغم الأهمية العظيمة التي تعطى لفهم الأفكار البنائية، إلا أن فهم
المضامين التربوية لهذه الأفكار لا تقل أهمية بالنسبة لكل من المتعلم والمعلم. إن
الفكرة الأساسية التي تقوم عليها البنائية أن التعلم الإنساني يحدث عندما يقوم
الأفراد ببناء معرفة جديدة معتمدين في ذلك على معارفهم وخبراتهم السابقة. وتتعارض
وجهة النظر هذه بشكل واضح مع الفكرة التي تقول إن التعلم يحدث عندما تنتقل
المعلومات بشكل سلبي من فرد إلى آخر، وهي وجهة النظر التي تؤكد أهمية استقبال
المعرفة لا بنائها.
وهناك نقطتان جوهريتان تحيطان بالفكرة
البسيطة حول بناء المعرفة. الأولى تشير إلى
أن الأفراد يستخدمون ما يعرفونه لفهم ما لا يعرفونه، إذ لا توجد أدمغة بيضاء يمكن
أن تلتصق بها المعرفة الجديدة. أي أن المتعلمين يأتون إلى مواقف التعلم المختلفة
بمعرفتهم المكتسبة من خبراتهم السابقة، وهذه المعرفة تؤثر وتتأثر بالمعرفة الجديدة
التي تبنى خلال الخبرات التعلمية الجديدة.
أما الفكرة الثانية فتشير إلى أن التعلم عملية نشطة لا عملية سلبية، إذ يقوم
المتعلمون ببناء فهمهم الخاص في ضوء ما يمارسونه في مواقف التعلم الجديدة، وعند
وجود تناقض بين ما يعرفونه، وما يتعرضون له من خبرات جديدة، فان معرفتهم السابقة
يمكن أن تتغير لاستيعاب المعرفة الجديدة. ويبقى المتعلمون فعّالين خلال هذه
العملية، فيقومون بتطبيق فهمهم الجديد، ويلاحظون العناصر المختلفة في الموقف الجديد
الذي يتلاءم والخبرات الجديدة.
وللبنائية مضامين هامة
لعملية التعليم:
أولاً:
يصعب التعامل مع عملية التعليم على أنها نقل للمعارف من فرد لآخر، وبهذا لا يقبل
المعلم البنائي أن يقوم بدور الناقل للمعرفة فقط، فهو الميسر، والمرشد، الذي يهيأ
بيئة التعلم، ويوفر فرص التعلم لطلابه.
ثانياً:
إذا كان التعلم يبنى على المعارف المسبقة للطلبة، فان على المعلمين أن يلاحظوا
ويكشفوا ويقيموا هذه المعارف لدى طلبتهم، وان يعملوا على تجسير الفجوة بين ما
يعرفه الطلاب، وما ينوي أن يعلمهم من معارف وخبرات جديدة.
ثالثاً:
إذا كان على الطلاب أن يطبقوا ما تعلموه من معارف جديدة، ينبغي على معلمهم أن
يشركهم في عملية التعلم، ويشجعهم على العمل الجماعي، والتفاعل الاجتماعي فيما
بينهم، ومناقشة أفكارهم ومفاهيمهم مع أقرانهم في المجموعة الواحدة.
رابعاً:
إذا كانت المعرفة الجديدة تبنى بشكل فعّال، فعلى المعلم أن يوفر الوقت اللازم
لعملية البناء هذه.
إذا كانت عملية التعلم عملية بنائية،
وأن عملية التدريس ينبغي أن تصمم بطريقة توفر أفضل الفرص لعملية البناء هذه، فما
هي الممارسات التي تجعل المعلمين يتحولون إلى التعليم الذي يتمركز حول الطالب، أي
يتحولون إلى التعليم البنائي؟
على المعلم أن يعرف أن التعلم البنائي
لا يقتصر فقط على الأطفال، بل يتميز به جميع المتعلمين. وبهذا ينبغي أن يمنح
التطور المهني للمعلمين الفرص الكافية لاختبار أفكارهم ومعتقداتهم حول مفهومي
التعلم والتعليم البنائي. إن تحول المعلم من معلم تقليدي إلى معلم بنائي لا يتم من
خلال ورشة عمل ليوم واحد، ولكن من خلال خطة طويلة الأمد تركز على الممارسة المنظمة
للأفكار البنائية تدريجياً داخل غرفة الصف، وذلك بإعطاء دور اكبر للطالب في تحمل
مسؤولية تعلمه.
إن معظم المعلمين يقومون بالتعليم
بالطريقة التي تعلموا بها، لا بالطريقة التي تم إخبارهم ليعلموا بها. ومن هذا
المنطلق على مدربي المعلمين أن يستخدموا الأفكار البنائية في تدريبهم وورشات
العمل أثناء الخدمة لإعطاء النموذج في تطبيق التعليم البنائي، إذ لا يكفي قيام
المدربين بوصف طرق التعليم، وتوقع أن يقوم المتدربون بترجمة هذا الوصف إلى ممارسة،
وأن إشراك المتدربين في النشاطات أثناء التدريب يعطيهم فاعلية أكبر في نقل هذه
الممارسات إلى غرفهم الصفية.
إن فكرة البنائية تمثل واحدة من
الأفكار العظيمة في التربية، وإذا كان للجهود التي تبذل لإصلاح التربية والتعليم
أن تنجح فلابد أن تركز على الطالب. والمشاركة العظيمة التي تقدمها البنائية في
عملية الإصلاح هذه تأكيدها دور الطالب في عملية التعلم، وتحمله لهذه المسؤولية.
وحتى تتمكن
من تطبيق هذه الطريقة، ينبغي مراعاة الأمور الآتية:
1. ابدأ درسك
بظاهرة متناقضة، أو سؤال محير، أو عرض عملي يثير دهشة الطلاب.
2. اسأل أسئلة
محددة، وأخرى متشعبة لتتمكن من تقييم المعرفة المسبقة لديهم، والتعرف على المفاهيم
البديلة أو الخطأ التي تتعلق بموضوع الدرس.
3. اترك الطلاب
يندمجون في الإجابة على الأسئلة موضوع الدرس ( وزع أوراق العمل، واتركهم يقومون
بالنشاطات العملية في مجموعات من 3 – 5 طلاب ).
4. دعهم يدونوا
أفكارهم وتفسيراتهم والحلول المحتملة للأسئلة التي تطرح عليهم.
5. انتبه للطلبة
الذين يحملون مفاهيم بديلة، أو نظريات ساذجة لا تتفق مع المفاهيم المقبولة علمياً.
6. استخدم أسئلة
متنوعة، وتذكر تصنيف بلوم، وتأكد أن الأسئلة تشمل جميع المستويات في التصنيف (
المعرفة، والاستيعاب، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، والتقييم ).
7. لا تكن حريصاً
على إعطاء الإجابة مباشرة، ويمكن مناقشة الحلول الصحيحة مع الطلاب قبل نهاية الدرس.
8. قم بدور
الموجه، والميسر للطلبة، وتابع تقدمهم طيلة الدرس نحو تحقيق الأهداف المرسومـة.
9. وأخيراً حتى
تصنف كمعلم بنائي، لابد من الإعداد الجيد، وتهيئة البيئة الصفيـة، والنشاطات،
وأوراق العمل قبل بداية الدرس بوقت كافٍ.
المراجع
الخليلي، خليل
يوسف وعبد اللطيف، حيدر ويونس، محمد جمال الدين. (1996). تدريس العلوم في مراحل التعليم العام،
ط1، دار القلم للنشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة.
مصطفى، مصطفى
حسن. ( 2004 ). فاعلية طريقة بنائية لتدريس الكيمياء في تنمية مهارات
التفكير العلمي والتحصيل لدى طلبة المرحلة الثانوية في الاردن. رسالة
دكتوراه غير منشورة، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان، الاردن.
Crowther, D.
( 1997 ). Constructivism Under Construction. Electronic Journal of
Science Education, 2 ( 2 ), retrieved Oct, 6, 2002 from: http://unr.
edu/homepage/crowther/ejse/ejsev2n2. html.
Driver, R. ,
& Oldham, V. (1986). A constructivist approach to curriculum development
in science. Studies in Science Education, 5, 61-84.
Ismat, A. ( 1998 ). Constructivism
in Teacher Education: Consideration for those who would link practice to theory.
ERIC NO: ED 426986.
Lorsbach, A.
& Tobin, K. ( 1993 ). Constructivism as a Referent for Science Teaching. NARST
News, 34, 9 – 11.
Mayer, R. E. (1996). Learners as
information processors: Legacies and limitations of educational psychology's
second metaphor. Educational Psychologist, 31(3/4), 151-161.
Mestre, J. ( 1994 ). Cognitive
Aspects of Learning and Teaching Science. From: Chapter 3 of Teacher Enhancement for
Elementary and Secondary Science and Mathematics: Status, Issues, and Problems.
S. J. Fitzsimmons & L. C. Kerpelman ( Eds ), Washington, D. C.: National Science
Foundation ( NSF 94 – 80 ).
Osborne, R. J. , & Wittrock, M. C.
(1985). The generative learning model and its implications for science
education. Studies in Science Education, 12, 59-87.
Solomon, J. (1997). Constructivism
and primary science. Primary Science Review, 49, 2-5.
Stoddart, T. , Connell, M. ,
Stofflett, R. , & Peck, D. (1993). Reconstructing elementary teacher
candidates' understanding of mathematics and science content. Teaching
and Teacher Education, 9(3), 229-241.
Tobin, K. (1993). Referents for
making sense of science teaching. International Journal of Science
Education, 15(3), 241-254.
Von Glasersfeld, E. (1992). A
constructivist's view of learning and teaching. In R. Duit, F. Goldberg & H.
Niedderer (Eds. ), Research in Physics Learning: Theoretical Issues and
Empirical Studies (pp. 29-39). University of Kiel: Institute for
Science Education.
Von Glasersfeld, E. (1995). Radical
constructivism: A way of knowing and learning. London: Falmer
Press.
Vygotsky, L. ( 1978 ). Social
Development Theory. From: Mind in Society. Cambridge, MA: Harvard
University Press.
Yager, R. E. (1991). The
Constructivist Learning Model. Science Teacher, 58(6), 52-57.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق